محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
44
في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم
المخلوقات إنسانا أو حيوانا أو نباتا أو حجرا ، وكان بعض الأقدمين يؤمنون بأنّ لكلّ إنسان كوكبه يسيطر على حياته ، حتّى النباتات كانت لها كواكب ترعاها كما يذكر « ابن وحشية الكلداني » ( من القرن الرابع الهجري ) في الكتاب المنحول إليه ( الفلاحة النبطية ) « 1 » ، وكان هؤلاء الروحانيون الصابئة يعتبرون الأجسام السماوية آلهة تتصرّف في شؤون العالم الأرضي ، فالرياح والأمطار والحرارة والبرودة وعمليات النشوء والاندثار ( الكون والفساد ) سواء في عالم الجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان ، كلّ ذلك من فعل وتدبير الأجسام السماوية - الآلهة ، التي هي عندهم واسطة بين اللّه والإنسان يعظّمونها ويتقرّبون إليها ويتشبّهون بها « 2 » . والحق أنّ آراء صابئة ( حرّان ) ومعتقداتهم الدينية معروضة بشكل مفصّل في كتاب ( الملل والنحل ) ل « أبي الفتح الشهرستاني » ( ت 548 ه ) وذلك بمناظرات بين الصابئة والحنفاء ، أوردها « الشهرستاني » على شكل سؤال وجواب ، ولا بد من البيان أنّ هذه الأقوال تتنافى مع القول بوحدانية اللّه كما ردّ عليهم الحنفاء ، فإثبات تأثيرات الهياكل والأفلاك هو شرك في أفعال الباري تعالى « 3 » كما يقول في القرآن الكريم قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 4 » .
--> ( 1 ) ابن وحشية - الفلاحة النبطية - تحقيق توفيق فهد - منشورات المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية - دمشق - 1993 . ( 2 ) محمد عابد الجابري - نحن والتراث - الطبعة السادسة - المركز الثقافي العربي - بيروت - 1993 - ص 128 . ( 3 ) أبو الفتح الشهرستاني - الملل والنحل - دار دانية - دمشق - 1990 ، ص 126 - 145 . ( 4 ) سورة الأنبياء ، الآيتان 65 - 66 . وانظر : المصدر السابق - ص 138 .