محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
37
في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم
الثاقب ، فأعلن أنّ معرفة سبب الانحراف المرضي عن الاعتدال الطبيعي الحقيقي في الجسم البشري لا سبيل إليه إلّا بالظنّ والتخمين ، لقد بدأت تهتزّ قواعد الطب الأبقراطي الجالينوسي ، وكان عليه أن يمضي قدما في مناقشته ورفضه لهذه المبادئ اليونانية غير الوافية ، في عصر بدأ معظم المؤلّفين بالتشكيك والنقد ، فابن خلدون ينتقد المؤرّخ « المسعودي » لتعليلاته وآرائه في كثير من الأمور ، ومنها ما أورده في شرح الطباع الشخصية والوراثية للزنوج ، ويعلن بأنّ المسعودي لم يأت بشيء أصيل من عنده ، وكل ما فعله أنّه نقل حرفيا آراء « جالينوس » اليوناني و « يعقوب بن إسحاق الكندي » ( ت 252 ه / 867 م ) الطبيب والفيلسوف المعروف « 1 » . ولكن « الشيرازي » يجد حلا لهذا المأزق ، فيذكر بأنّ خبرة الطبيب المكتسبة قد تعوّض النقص الحاصل والثغرات التي لم تسدّها طرق المنهج التقليدية ، فيوصي بأنّه [ على الطبيب أن يكثر مشاهدته للمرضى وأن يكتب ما يشاهد من الأحوال العجيبة ليتفكّر فيها ويبحث عن أسبابها حتّى ينضمّ إلى ما عرفه من القوانين القياسية وما شاهده من الأمور التجريبية ] . ويمكن القول بأنّ الأطباء العرب لم يخرجوا عن إيمانهم بالكليات الطبيعية كما تصوّرها الفلاسفة اليونان ، ومع هذا استقلّوا عنهم بخبرتهم وتجاربهم وآرائهم مع بقائهم داخل الإطار الفلسفي العام الذي وضعه أطباء اليونان .
--> ( 1 ) ابن خلدون - المقدمة - ص 84 .