محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
194
في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم
يظهر ، فلا يشكّ في نقصه ، فإنّ الكامل هاهنا يتوقّف والناقص وجل خائف ، فكما أنّ المتهوّر مذموم وكذلك الجبان ملوم . إذا رأيت الطبيب متهاونا بالحمية في مداواة العلّة مساعدا للمرضى في شهواتهم موافقا إيّاهم على تخليطاتهم فاعلم أنّه غبيّ ناقص لأنّ بالحمية تنال الصحّة وتزال العلة والحمية رأس المداواة وعمدة المعالجات . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ( البطنة رأس كلّ داء ، والحمية رأس كلّ دواء ، وأعط لكلّ بدن ما اعتاد ) « 1 » . و « جالينوس » قد قسّم الحمية « 2 » على قسمين ، فقال : ( الحمية حميتان خاصية وعامّية ، أمّا العامّية فأن « 3 » لا تغتذي أبدا إلّا مع الشهوة ، وأمّا الخاصية فأن تنظر الاسطقس الغالب عليه فتقابله بضدّه ) . ما ذكر في مواضع أخر من قوله : ( ساعد المرضى في بعض شهواتهم ) فليس ذلك حكما وقولا / جزما . وإذا رأيت الطبيب مستبدا برأيه غير عامل بقوانين الطب ودساتيره ولا مستشيرا أهل صناعته فيمن يتولّى من مداواته ، وتراه يخترع من تلقاء نفسه تراكيب الأدوية وتصانيف الأغذية من غير أن سبقت بها التجربة وأجمعت على استعمالها الأمّة ، فاعلم أنّه مموّه مزخرف ، لأنّ « جالينوس » يقول : ( رأي من وازاك في المعرفة أمثل
--> ( 1 ) لم يصحّ هذا عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا الحديث من كلام طبيب العرب « الحارث بن كلدة » ولا يصحّ إلى النبيّ . ( ابن القيم : زاد المعاد ، ج 4 ، ص 104 ) . ( 2 ) الحمية : أصلها المنع ، واقتصر بها الأطبّاء على المنع ممّا يؤكل ويشرب من الأشياء الضّارة بمرض مريض . ( ابن الحشاء : مفيد العلوم ، ص 36 ) . ( 3 ) فلان : ط ، م ، تصحيف .