محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

122

في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم

في الغذاء ، وليس يمكن أن يقال هاهنا إنّ الفاعل يدوم فيقوى تأثيره ، لأنّ فعل القوّة الغاذية لا يدوم في غذاء واحد ، والفاعل إنّما يلزم أن يقوى فعله بالدوام إذا كان المنفعل واحدا . وإنّما قلنا إنّ الجفاف يلزمه الموت لأنّ الحياة إنّما تكوّن الحرارة الغريزية ، والحرارة الغريزية إنّما تقوم برطوبة غريزية ، فإذا حصل الجفاف عدمت تلك الرطوبة فأطفأت الحرارة الغريزية ، إذ تلك الرطوبة لها كالدهن للسراج ، ويلزم ذلك تولّد الرطوبات الغريبة التي هي كالماء ، فيتعيّن على إطفاء الحرارة الغريزية من وجهين ، أحدهما : بالخنق والغمز ، وثانيهما بالمضادّة في الكيفية ، لأنّ تلك الرطوبة تكون باردة وبلغمية « 1 » ، وأمّا الثاني فمن وجوه أربعة : أحدها : أنّه لو بقيت أشخاص الناس بلا نهاية لكان القوم الذين سبقونا بالوجود قد أفنوا المادة التي منها الكون ، فلم يكن لنا مادّة يمكن أن نوجد منها ، ولو بقيت لنا مادّة لم يبق مكان ولا رزق ، وكنّا نبقى نحن والذين بعدنا على العدم دائما ويبقى الأوّلون على الوجود دائما ، ولا شكّ أنّ هذا ترجيح بلا مرجّح ومناف للحكمة ، فوجب أن يموت السابق بالوجود ليكون لوجود المتأخّر مكان . وثانيها : أنّه لو لم يكن الموت واجبا لجاز أن يبقى الظالم [ 10 أ ] المتحكّم في الدنيا دائما / ، فيدوم شرّه وإفساده ، وذلك لا محالة مؤدّ إلى الفساد والخروج عن مقتضى الحكمة .

--> ( 1 ) بلغمية : البلغم هو خلط من أخلاط الجسم ، وهو أحد الطبائع الأربعة قديما . الوسيط : ج 1 ، ص 70 .