يوسف بن عمر الغساني التركماني

99

المعتمد في الأدوية المفردة

ولأصحاب الأبدان الملتهبة جدًّا ، ولمن يحمّ ويحمي جسمه عليه . والحد الثاني : أن يؤخذ منه إلى أن يبلغ أن يَسُرَّ النفس ويطربها ، باعتدال في ذلك ، من غير ثقل في الرأس والحواس ، ولا يميل إلى النوم الشديد . وأما ما جاوز ذلك إلى لَجْلَجة اللسان ، وفقد صحة العقل ، واضطراب مفاصل البدن ، وضعفها عن الحركات ، فإنها حالة السكر ، وذلك ضار في وجوه كثيرة ، ولا سيما إذا تواترت وترادفت . وقد ينفع إذا كان في الشهر مرة أو مرتين ، فإن هذه الحالة تسخن البدن وترطبه ، وترقق أخلاطه ، وتفتح مجاريه ، وتحلل كل ما بدأ ينعقد إذا لم يشرب المَاء في ذلك اليوم . ومما يحفظ الصحة أن يشرب الخمر يومًا ، والمَاء يومين أو ثلاثة ؛ وأما تواتر السكر ، وشُربه على الخُمار ، فجالب ( 1 / 170 ) للأمراض المهلكة ، كالصرْع ، والرَّعشة ، والفالِج ، والأمراض الحارة ، وتورُّم الأحشاء ، لا سيما الكَبِد ، والدُّبيلات ، والجراحات ، وفساد العقل ، وكَدَر الحواس ، وضعف الحركات ، وترهُّل البدن ، وذهاب شهوة الطعام . وهو يختلف في أفعاله هذه بحسب اختلاف أنواعه . والشراب الأسود الغليظ الحلو ، أكثرها غذاء وتوليدًا للدم الغليظ الأسود ، وهو شر لمن يعتريه الأمراض السوداوية ، وجيد لمن يريد أن يزيد لحمه ، وللمنهوكين . والأبيض الرقيق أقلها غذاء ، أوفقها للمحرورين ، والأحمر المعتدل في غلظه ورقته أعدل الشراب ، وهو يولد دمًا جيدًا ؛ وأما الأصفر القويّ الطعم جدًّا ، فإنه يسخن إسخانًا قويًا ، ويضر أصحاب الأمزجة الحارة ، إلا أن يكثروا مزاجه جدًّا ، ويتنقلوا بالفواكه الباردة . والريحانيّ منه أكثر صعودًا إلى الرأس ، وتصديعًا له ، فينبغي أن يحذره من يعتريه الصداع والرمَد ، ويسرع إلى رأسه الامتلاء ، ويدفع مضرته متى اضطر إلى شربه : شم الرياحين الباردة ، والكافور والمَاورد والصندل ، وتدبير الرأس بها وبالخل ، وبدهن الورد ، والتنقُّل عليه بالسَّفَرْجَل . والعتيق أكثر تجفيفًا للبدن ، وأقل بخارًا ، والحديث كثير البخار ، إلا أن بخاره رَطْب ، لا يُنكِي الرأس كثيرَ نكاية ، كما ينكيه الرَّيحانيّ . والكدر من الشراب أوفق للمحرورين ، غير أنه يسقط شهوة الباه . ونبيذَ الزبيب المجرد يَذهب مذهب الشراب الأسود الغليظ ، وهو أقل إسخانًا ، وأشد قبضًا ، والمعسَّل يسخن إسخانًا قويًا ، وينقي الكُلَى ، وينفع من أوجاع المفاصل . ونبيذ العسل مُلْهِب جدًّا ، كثير التوليد للمُرار ، ونبيذ التمر والدَّوشاب كثير التوليد للدم العكر ، قليل المعونة على الهضم ، مطلق للبطن إطلاقًا ليس بنافع جدًّا ، بل من إزلاق وثقل على الطبيعة ، ونبيذ السكر مُصَدِّع ، سريع الصعود إلى الرأس ، إلا أنه يدر البول ، وينِّقي الكُلَى والمثانة ، ويذهب بخشونة الصدر والرئة . وأما من يحدث به عن إدمان الشراب ذهاب شهوة الطعام ( 1 / 171 ) والغَثْي وتقلُّب النفس ، وتكسير البدن ، مع ثقل الرأس ، ونوم مضطرب وتشويش ، فإن هذه أعراض الخُمار ، والخمار تخمة من النبيذ ، فينبغي إذا حدث ذلك أن يطلب النوم مدة طويلة ، ويغمز منه الأطراف ، ثم يدخل الحمَّام ويصب على الرأس ماءً فاترًا كثيرًا ، ثم يخرج فيستريح ؛ فإن خفت الأعراض ، وجاءت شهوة الطعام ، فذاك ، وإلا طلب النوم أيضًا والسكون ، ثم عاود الحمَّام ، حتى تخفَّ الأعراض ،