المحقق البحراني

380

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية

الأفلاك إلى آخر الزمان كانت الوصية الصادرة من عيسى إلى شمعون عليهما السّلام من عند خروجه بقالبه الصوري إلى السماء ، وسؤاله من ربّه أن يحيي له يحيى بعد وصية شمعون عليه السّلام ( 1 ) إليه ، وشهادته على يد الأشقياء . ولا محذور في ذلك ، بل لولا ذلك لوقع التنافي في الحديث الثاني بعضه ببعض ، كما يظهر لك أخيرا . إن قيل : هذا الكلام يخالف الظاهر في الحديث الثاني : أن عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريا ؛ لأنّ الظاهر من ذلك أن وقوع ذلك يوم إذ كان عيسى عليه السّلام في العالم العنصري قبل عروجه للعالم الفلكي . فالجواب أنّ عروجه إلى العالم الفلكي غير مانع من ذلك ، فإن المفهوم من الروايات أنه يزور قبور الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام ( 2 ) ، ولا استحالة في ذلك ؛ إذ مجيئه عليه السّلام لقبور شركائه في النبوة والولاية أقرب مدركا من الحكم بمجيء الأرواح المفارقة لأجسامها في هذه النشأة ، مع ثبوت ذلك بالروايات الصحيحة الصريحة على الظاهر من الحديث أن المجيء إلى القبر مجيء روحاني أو مثاليّ لا صوري . وكذا إجابة يحيى عليه السّلام وخروجه من القبر إليه ؛ إذ لو كان ذلك محمولا على هذه النشأة العنصرية والحياة الفانية لم يكن لاستعفاء يحيى عليه السّلام من العود المتعلَّق بالقالب الصوري وجه يركن إليه ، ولم يكن لتعليقه عدم قبوله إلى التعلَّق الجسماني بالخوف من حرارة الموت محلّ يعتمد عليه ؛ لأنّ حمله على ظاهره يستدعي وقوع التعلَّق الجسماني وحصول المغايرة التي كانت موجودة قبل الموت ، فكيف يتحقّق الاستعفاء ممّا وقع ؟ أم كيف يعلَّل طلب الاستعفاء بالخوف من لحوق حرارة الموت الذي لا بدّ من وقوعه على تقدير عوده إلى حالته التي

--> ( 1 ) من عند خروجه شمعون ، سقط في " ح " . ( 2 ) كامل الزيارات : 334 / 558 .