المحقق البحراني
238
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
أحدها : قوله تعالى * ( هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ ) * ( 1 ) ، أي في الوجود ، ولا يتصوّر ذلك إلَّا بانعدام ما سواه ، وليس بعد القيامة - وفاقا - فيكون قبلها . وأجيب بأنه يجوز أن يكون المعنى هو مبدأ كلّ موجود وغاية كل مقصود ، أو المتوحّد في الالوهيّة أو صفات الكمال ، كما إذا قيل لك : هذا أوّل من زارك أم آخرهم ؟ فتقول : هو الأول والآخر ، وتريد أنه لا زائر سواه . وبالجملة ، فإنه ليس المراد أنه آخر كلّ شيء بحسب الزمان ؛ للاتفاق على أبديّة الجنّة ومن فيها . وثانيها : قوله عزّ وجلّ * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ) * ( 2 ) ، فإن المراد بالهلاك : الانعدام . وأجيب بأن المعنى أنه هالك في حدّ ذاته ؛ لكونه ممكنا لا يستحق الوجود إلَّا بالنظر إلى العلَّة ، أو المراد بالهلاك : الموت ، كما في قوله * ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ) * ( 3 ) . أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله ، كما يقال : هلك الطعام ، إذا لم يبق صالحا للأكل وإن صلح لمنفعة أخرى . وثالثها : قوله عزّ وجلّ * ( وهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * ( 4 ) ، * ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه ) * ( 5 ) ، والبدء من العدم ، فكذا العود . وأيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا يتصوّر بدون تخلل العدم . وأجيب بأنا لا نسلَّم أن المراد بإبداء الخلق : الإيجاد والإخراج عن العدم ، بل : الجمع والتركيب ، كما يشعر به قوله تعالى * ( وبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) * ( 6 ) ، ولهذا يوصف بكونه مرئيا مشاهدا ، كقوله سبحانه * ( أَولَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ) *
--> ( 1 ) الحديد : 3 . ( 2 ) القصص : 88 . ( 3 ) النساء : 176 . ( 4 ) الروم : 27 . ( 5 ) الأنبياء : 104 . ( 6 ) السجدة : 7 .