المحقق البحراني

19

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية

ولا ينفق من ماله فيها ، والمال ينصرف في أي الوجهين ، فصرف العبد أحدهما في اتّباع أمر المولى ورضاه ، والآخر صرفه في اتّباع نهيه وسخطه ، وأسكنه دار اختبار أعلمه أنه غير دائم له السكنى في الدار ، وأن له دارا غيرها ، وهو مخرجه إليها فيها ثواب وعقاب دائمان ، فإن أنفذ العبد المال الذي ملَّكه مولاه في الوجه الذي أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي أعلمه أنه مخرجه إليها ، وإن أنفق المال في الوجه الذي نهاه عن إنفاقه فيه جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود . وقد حد المولى في ذلك حدّا معروفا وهو المسكن الذي أسكنه في الدار الأولى ، فإذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد ، على أنه لم يزل مالكا للمال والعبد في الأوقات كلَّها إلَّا إنه وعد ألَّا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الأولى إلى أن يستتم سكناه فيها ، فوفى له لأن من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة . أوليس يجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به أن يفي له بما وعده من الثواب ، وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية وأثابه على طاعته فيها نعيما دائما في دار باقية دائمة ، وإن صرف العبد المال الذي ملَّكه مولاه أيام سكناه تلك الدار الأولى في الوجه المنهيّ عنه ، وخالف أمر مولاه كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذّره إياها غير ظالم له ؛ لما تقدم إليه ، وأعلمه وعرّفه وأوجب له الوفاء بوعده ووعيده ؟ بذلك يوصف القادر القاهر . أما المولى ، فهو الله جلّ وعزّ ، وأما العبد فهو ابن آدم المخلوق ، والمال قدرة الله الواسعة ، ومحنته إظهار الحكمة والقدوة ، والدار الفانية هي الدنيا ، وبعض الذي ملكه مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم ، والأمور التي أمر الله بصرف المال إليها هي الاستطاعة لاتّباع الأنبياء والإقرار بما أوردوه عن الله جلّ وعزّ ، واجتناب الأشياء التي نهى عنها [ هي ] طريق إبليس . وأما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة ، وأما الدار الأخرى فهي الدار الباقية وهي