المحقق البحراني
119
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
الأمور المنافية لذلك المضادّة له ، فإن النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده وتميل إليه تحصيلا للغرض الملائم لها بحسب ما يغلب عليها من الصفات . فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة وإظهار الفضيلة وإقبال الطلبة عليه وانقيادهم إليه ، فلا يتمكَّن من التدريس بنيّة التقرّب إلى اللَّه سبحانه بنشر العلم وإرشاد الجاهلين ، بل لا يكون تدريسه إلَّا لتحصيل تلك المقاصد الواهية والأغراض الفاسدة ، فإن قال بلسانه : ادرّس قربة إلى اللَّه وتصوّر ذلك بقلبه وأثبته في ضميره ما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه [ ف ] لا عبرة بنيّته أصلا . وكذلك إذا كان قلبك عند نيّة الصلاة منهمكا في أمور الدنيا والتهالك عليها والانبعاث في طلبها ، فلا يتيسر لك توجيهه بكليّته إلى الصلاة وتحصيل الميل الصادق إليها والإقبال الحقيقي عليها ، بل يكون دخولك فيها دخول متكلَّف لها متبرّم بها ، ويكون قولك : اصليّ قربة إلى اللَّه ، كقول الشبعان : أشتهي الطعام ، وقول الفارغ : أعشق فلان مثلا . والحاصل ، أنه لا يحصل لك النيّة الكاملة المعتدّ بها في العبادات من دون ذلك الميل والإقبال وقمع ما يضاده من الصوارف والأشغال ، ولا يتيسّر إلَّا إذا صرفت قلبك عن ( 1 ) الأمور الدنيويّة ، وطهرت نفسك من الصفات الذميمة الدنيّة ، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكليّة . ومن هنا يظهر أن النيّة أشقّ من العمل بكثير ، فتكون أفضل منه ، وتبيّن لك قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " أفضل الأعمال أحمزها " غير مناف لقوله عليه السّلام : " نيّة المؤمن خير من عمله " ، بل هو كالمؤكد والمقرر له ) ( 2 ) انتهى ما ذكره شيخنا البهائي ملخصا . وهاهنا وجوه أخر ذكرها بعض العامة أيضا وغيرهم :
--> ( 1 ) من " ح " والمصدر ، وفي " ق " : من . ( 2 ) الأربعون حديثا : 451 - 454 / شرح الحديث : 37 .