المحقق البحراني

10

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية

الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين ، وبالله العون والقوّة ، وعليه نتوكَّل في جميع أمورنا ، فإنا نبدأ من ذلك بقول الصادق عليه السّلام : لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين ، وهي : صحة الخلقة ، وتخلية السرب ، والمهلة في الوقت ، ومثل الزاد والراحلة ، والسبب المهيج للفاعل على فعله . فهذه خمسة أشياء جمع بها الصادق عليه السّلام جوامع الفضل ، فإذا نقص العبد منها خلَّة كان العمل عنه مطروحا بحسبه ، فأخبر الصادق عليه السّلام بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه ، فشهد بذلك محكمات آيات رسوله ؛ لأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله [ وآله عليهم السّلام لا يعدون ] ( 1 ) شيء من قوله وأقاويلهم حدود القرآن ، فإذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل ، فوجد لها موافقا وعليها دليلا كان الاقتداء بها فرضا لا يتعداه إلَّا أهل العناد كما ذكرنا في أول الكتاب . ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق عليه السّلام من المنزلة بين المنزلتين وإنكاره ( 2 ) الجبر والتفويض ، وجدنا الكتاب قد شهد له وصدّق مقالته في هذا . وخبر عنه أيضا موافق لهذا أن الصادق عليه السّلام سئل : هل أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فقال الصادق عليه السّلام : هو أعدل من ذلك . فقيل له : فهل ( 3 ) فوّض إليهم ؟ فقال : هو أعزّ وأقهر لهم من ذلك . وروي عنه أنه قال : الناس في القدر على ثلاث أوجه : رجل يزعم أن الأمر مفوض إليه ، فقد وهّن الله في سلطانه ؛ فهو هالك . ورجل يزعم أن الله جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون ، فقد ظلم الله في حكمه ؛ فهو هالك . ورجل يزعم أن الله كلَّف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ .

--> ( 1 ) من المصدر ، وفي النسختين : لم يعد . ( 2 ) في " ح " : إنكار . ( 3 ) في " ح " : فهو .