ابن النفيس

35

المختار من الأغذية

ثم توسّع الأطباء اليونانيون في بيان أهمية التغذية ، فوضع أبقراط كتابه ( الغذاء ) ووضع جالينوس من بعده عدة كتب في نفس الموضوع ، منها : قوى الأغذية - كتاب في الكيموس « 1 » . . وغيرهما ، مما يعني أن الاهتمام اليوناني بالأغذية ، كان صدى لاهتمام من سبقهم بهذا الموضوع . وفي الطب العربي ، عرف الجاهليون الأهمية الطبية للأغذية ، ورويت عن الطبيب الجاهليّ الحارث بن كلدة عبارات كثيرة منها : « البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء ، وعوّدوا كل بدن ما اعتاد » . . « أربعة تهدم البدن : الغشيان على البطنة ( الجماع على الشبع ) ودخول الحمام على الامتلاء ، وأكل القديد ( اللحم المجفّف ) ومجامعة العجوز » وفي حديث الحارث مع كسرى أنوشروان ، تتضح الأهمية القصوى للغذاء وقوانينه في عملية حفظ الصحة وبرء المرض « 2 » . كما حفل الحديث النبوي الشريف بالعديد من التوجيهات الغذائية التي تنسجم مع الرؤية الطبية للغذاء ، فنجد من الأحاديث : ما ملأ آدمي وعاء شرّا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده « 3 » « سر بدائك ما حملك ( عدم المسارعة إلى تناول الدواء ) . . إلخ » مما يعني أن العرب والمسلمين ، كانوا على وعي معين بأهمية قوانين التغذية ، حتى قبل انتقال التراث الطبي اليوناني إليهم خلال حركة الترجمة التي ازدهرت في العصر العباسي . وفي العصر الأموي ، نالت التغذية اهتماما كبيرا من الأطباء ، ففي نصائح الطبيب الأموي تياذوق « 4 » ؛ يحتلّ الغذاء النصيب الأكبر ، فمن هذه النصائح : لا تأكلنّ حتى تجوع ، ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا ، وإذا تغديت فنم ، وإذا تعشيت فامش ولو على الشوك ، ولا تدخل بطنك طعاما حتى تستمرئ ما في جوفك ، ولا تأكل

--> ( 1 ) قام حنين بن إسحاق بترجمة كتاب الأغذية ، أما ( كتاب في الكيموس ) . فتوجد له ترجمتان إلى العربية ؛ قام بالأولى ثابت بن قرة الحراني ، وقام بالثانية حبيش بن الأعسم . . . راجع : مقالة حنين بن إسحاق فيما ترجم من كتب جالينوس ( نشرة الدكتور عبد الرحمن بدوي ) ص 169 . ( 2 ) انظر نص الحديث ضمن ترجمة الحارث بن كلدة في عيون الأنباء ( طبعة بيروت ) ص 162 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الصحيح / الزهد 47 ، وابن حنبل في المسند 4 / 123 ، والحاكم في المستدرك 4 / 121 ، وابن ماجة ، كتاب الأطعمة / 50 / ويراجع الفصل الخاص بالأطعمة في كتاب البغدادي : الطب من الكتاب والسّنّة ( تحقيق د / عبد المعطي قلعة جي - بيروت ) ص 14 وما بعدها . ( 4 ) انظر ترجمة تياذوق في المصادر الآتية : إخبار العلماء ص 74 - عيون الأنباء ص 179 وما بعدها .