ابن النفيس
مقدمة 6
الشامل في الصناعة الطبية
ومن إشاراته المنهجية الدقيقة ، ما يورده العلاء في الفصل الخامس من مقالة الملح حيث نقرأ : وقد قال بعض الفضلاء ، إن الملح غاية النفع لدوسنطاريا . وهذا شئ ليس أعرفه ، ولا أقدم على امتحانه بالتجربة . ووجه الدقة هنا ، أنّ الدوسنطاريا ميكروب معوىّ قد يصل المريض في المرحلة المتأخّرة منه ، إلى التريف الدموي الناتج عن سحج الأمعاء الدّقاق . وقول الأطباء - الذين وصفهم العلاء بالفضلاء - إن الملح نافع لدوسنطاريا ، مبنّى ( فيما نرى ) على قدرة الملح على إيقاف التريف المعوى ، وتطهير المعاء . غير أن ذلك ينفع - فقط - في الحالات المتأخّرة من هذا المرض ؛ أما في حالاته الأولى وقبل أن يصل المرض إلى سحج الأمعاء ؛ فمن غير النافع آنذاك ، التداوي بالملح . . ولذا ، لم ير العلاء داعيا لاختبار صحة هذا الرأي الطّبّى ، الذي قرّره : بعض الفضلاء . خشية أن يتدهور حال المريض بسبب حدّة الملح ولذعه للأمعاء ، وهو أمر يعكس فلسفته في العلاج وأسلوبه في التداوي ، وهو ما كان العلاء ينوى أن : يبسط الكلام فيه . . لولا أن الأجل لم يمهله . والعلاء ( ابن النفيس ) يؤكّد في غير موضع من كتاباته ، ثقته بالتجربة - لا بأقوال الفضلاء - وسوف نراه ، في نهاية الفصل الثالث من مقالة المرارة يشير إلى عمومية التجربة ، بقوله : مع اتفاق تجربة هذه الأنواع من المرائر ( المرارات ) في هذه الأمراض . وهو ما يؤكّد شغف العلاء على الصعيد المنهجي بإقرار القواعد العامة والقوانين الكلية المؤسّسة على التجربة . وقد مرّ علينا في الأجزاء السابقة من الشامل عديد من الشواهد الدالة على تلك السمة المنهجيّة . ومن أركان النزوع التجربى عند العلاء الحرص على تسجيل المشاهدات والملاحظات ، بدقة متناهية . وهو أمر لاحظناه - أيضا - في الأجزاء السابقة من