ابن النفيس
512
الشامل في الصناعة الطبية
ذلك الحلاوة ، ثم في آخر الأمر يظهر القبض . والواقع على خلاف ذلك ! وبعد تحليل عميق للسبب الكامن وراء مخالفة طعم هذا الدّواء ، لما يجب أن يكون عليه الحال ، ينتهى العلاء ( ابن النفيس ) إلى رأى بالغ الطرافة في لطافة جوهر هذا الدّواء - وهو رأى يطول شرحه ، فليراجع النصّ في موضعه - ولا يفوته في أثناء ذلك أن يسجّل ما قد يثار من اعتراضات ، فيقول في معرض كلامه : بقي هاهنا إشكال لا بد من حلّه ، وهو أنه لقائل أن يقول : كما أن الهوائيّة . . وجوابه . . وقد طبق العلاء المنهج نفسه في مواضع عدّة من هذا الجزء الذي بين أيدينا . ففي بداية مقالة الغاريقون يتعرّض لاختلاف الأطباء السابقين عليه في ماهية هذا الدّواء ، فيبدأ الفصل الأول من المقالة بقوله : إنه قد وقع بين الأطباء في حقيقة هذا الدّواء اختلاف ، فقال بعضهم . . ثم يستعرض الأقوال داحضا بعضها بمشاهدات حسية ( كما في قوله : وقد سقطت شجرة بين ثغور الشام ، فوجد تحت أصلها من الغاريقون ما يزيد على قنطار ، وذلك في زماننا . . ) أو بملاحظات تجريبية وقواعد منطقية ومبادئ فلسفية ، كما في قوله : أما هوائيّة هذا الدّواء ، فلأنّ جوهره شديد التخلخل كبير المسام ، واسعها ، وهذه المسام يستحيل أن تكون فارغة ، إذ الخلاء مستحيل ، فهي إذن مملوءة ، والجسم المالئ لها لا يمكن أن يكون ناريّا ، وإلا كان يظهر في طعم الغاريقون حدّة مفرطة . . إلخ . كما يتجلّى هذا التروع المنهجىّ في المقالة ذاتها ، حين يردّ العلاء ( ابن النفيس ) على الرأي القائل بأن الغاريقون من الأدوية المسهلة ، فيستخدم عبارة ( وقد قالوا . . . ) التي يقصد بها - بحسب مراجعتنا للمصادر - معاصره ابن البيطار منتهيا من ذلك إلى أن هذا الدّواء من المسهّلات ، بمعنى أنه يعين الطبيعة على الدفع ، لا لأنه مسهّل في ذاته !