ابن النفيس
617
الشامل في الصناعة الطبية
فلذلك ، كان الملح في هذا أولى من البورق والنّطرون ونحوهما ؛ لأنّ تلك الأجسام مفرطة القوة ، شديدة الخروج عن مناسبة جوهر الإنسان ومزاجه . وكذلك كان الخمير أفضل من غيره من الأدوية التي تقوم مقامه في التلطيف ونحوه ؛ لأنّ هذا الخمير من جوهر هذه الحبوب نفسه ، وإنما عرض له تغيّر بسبب ما حصل له من الغليان المحمّض « 1 » ، لا لأمر في جوهره . فلذلك كان هذان « 2 » الجوهران أولى من غيرهما ، وإن كان غيرهما قد يعمل أيضا ، وذلك إذا أعوز « 3 » وجود هذين ، أو لو كان « 4 » المراد أمرا « 5 » آخر ، إنما يتم بجسم آخر ؛ كما يعمل البورق بدل الملح ليكون الخبز أحسن صورة ؛ لأجل انتفاخه ونحو ذلك . ثم لما كان الدقيق المتّخذ من هذه الحبوب ، يابسا متسنيا ، لا يسهل انطباخه واستحالته بانفراده إلى الكيلوسيّة « 6 » ، احتيج أن يمزج به ما يفيده رطوبة واتصالا وسهولة قبول ، وذلك إنما يمكن بأن يكون « 7 » ذلك الممازج له شديد الرّطوبة جدّا « 8 » - وليس في ذلك ، كالماء - فلذلك ، احتيج في اتخاذ غذاء الإنسان إلى مزج دقيق هذه الحبوب ونحوها ، بالماء . ولما كانت أعضاء الإنسان أكثرها لدنة ، وبعضها صلبة ، والمادة التي تسهل « 9 » استحالتها إلى جوهر هو كذلك ، يحتاج أن تكون « 10 » إلى لزوجة ؛ فإنّ اللّزج شديد المناسبة جدّا لليّن والصّلب . أمّا اللّدن « 11 » فإنّ البدن إنما يخالفه بنقصان مائيّته عن مائيّة اللزج ، كما بيّنّاه في كلامنا في الأصول . وأما الصلابة - كما بيّنّاه - إنما تحدث لأحد أمرين ؛ إمّا زيادة الأرضيّة جدّا ، وإمّا شدّة ممازجة الأرضيّة للمائيّة ، إذا كانت تلك الأرضيّة كثيرة .
--> ( 1 ) غ ، ن : المحمص . ( 2 ) ه ، ن : هذا . ( 3 ) ن : إذا عوز . ( 4 ) : . لو كان . ( 5 ) : . أمر . ( 6 ) الكيلوس : هو الطعام إذا انهضم في المعدة ، قبل أن يخرج منها ويصير كيموسا . يقول القوصونى : الكيلوس لفظ سريانى لجسم رطب سيال شبيه بماء الكشك الثخين ، كائن عند الغذاء في المعدة ، وهو في الحقيقة غذاء لم تتغير صورته النوعية بالكلية . والكيموس لفظ سريانى للخلط ، وهو في الحقيقة غذاء تغيّرت صورته الأولى بالكلية ( قاموس الأطباء 1 / 220 ) . ( 7 ) ن : أن يكون . ( 8 ) مطموسة في غ . ( 9 ) ه ، ن : يسهل . ( 10 ) غير منقوطة في غ ، ه ، ن : يكون . ( 11 ) ن : اللذن .