ابن النفيس
615
الشامل في الصناعة الطبية
الفصل الأول في ماهيّة « 1 » الخبز إنّ الخبز قد يتّخذ من دقيق الحنطة وقد يتّخذ من دقيق الشّعير وقد يتّخذ من دقيق الأرز والحمّص والدّخن . بل قد يتّخذ من دقيق الكرسنّة بل قد يتّخذه قوم من دقيق البلّوط . وأفضله : ما كان متّخذا من دقيق الحنطة « 2 » ، فإنّا بيّنّا أنّ الحنطة قريبة من الاعتدال ، كثيرة الغذاء ، مناسبة جدّا لجوهر الدم ، وباقي هذه الأشياء ليس كذلك ؛ فلذلك كان خبز الحنطة أفضل الأخباز . وإنما احتاج الإنسان إلى اتخاذ الخبز ونحوه ، ولم يكن اعتذاؤه « 3 » بالحنطة مثلا على حالها ، أو باللحم ونحوه بدون أن يطبخ ويصلح بالصّناعة ؛ وذلك لأمرين : أحدهما : لكي يحتاج الإنسان أن يكون دائما مستعملا للصنائع . وهذه الصنائع جميعها فكريّة ، فيكون دائما مستعملا الفكر ، فإنّ ذلك مما يقوّى الفكر ويحدّه ، فيكون الإنسان بذلك مستعدّا لتعرّف الصانع « 4 » لهذا العالم ، سبحانه وتعالى . وثانيها : أنّا قد بيّنّا أنّ مزاج الإنسان وجوهره ، لا بد وأن يكونا « 5 » بغاية « 6 » ما يمكن وجوده في هذا العالم من الاعتدال . والغذاء لا بد وأن يكون جوهره ومزاجه مناسبا لجوهر المغتذى ولمزاجه ؛ فإنّه إذا لم يكن كذلك ، لم يسهل استحالته إلى جوهر المغتذى « 7 » فإنّ الاستحالة إلى المناسب ، لا شكّ أنها أسهل وأيسر من الاستحالة إلى غير المناسب . فلذلك يحتاج أن يكون غذاء الإنسان من جوهر شديد اعتدال المزاج ، حتى يكون مناسبا لجوهر الإنسان ومزاجه ، وهذا مما يعزّ وجوده « 8 » - لا محالة - بخلاف الأشياء الحارّة والباردة ونحوهما ؛ فإنّ أمثال هذه توجد كثيرا جدّا .
--> ( 1 ) ه ، ن : هيئة . ( 2 ) العبارة مطموسة في غ . ( 3 ) : . اغتذاد . ( 4 ) ه ، ن : الصنايع . ( 5 ) ن : يكون . ( 6 ) - ن . ( 7 ) - ه ، ن . ( 8 ) مطموسة في غ .