ابن النفيس
17
الشامل في الصناعة الطبية
زمننا هذا الذي يشهد تراجعاً عن إنجاز المشروعات الكبرى ؛ وتلك قصةٌ أخرى ، لها تفصيلٌ يطول ، وليس هذا موضعه . ضعه . وأما الشامل في الصناعة الطبية فهو ثالث الموسوعات الكبرى في تاريخ الطب العربي / الإسلامي ، بل الطِّبِّ الإنسانى بعامة . تحدَّى بها العلاء القرشي ( ابن النفيس ) قِصَر الزمان الإنسانى ، ومحدودية القدرة الإنسانية ! وقد كان العلاءُ امتداداً للتقاليد الطبية التي أرساها مِن قبله أعلامٌ من نوع الرازي وابن سينا وكانت صلته بالأخير أقوى ، وشروحه على مؤلَّفاته أكثر « 1 » . غير أنَّ إقدامه على تأليف موسوعةٍ بحجم الشامل لا يفسِّره - فقط - كونه امتداداً لهؤلاء الأطباء العظام ، وإنما لا بد من النظر في السياق التاريخي الذي انتمى إليه العلاء ولا بد من تفحُّص اللحظة التاريخية التي عاشها . وفي هذا الإطار نقول : لما اهتزَّ كرسي الخلافة العباسية تحت وطأة الشيخوخة العباسية ، ومؤامرات القصور ، وتهديدات المغول . . بدأت المجالسُ العلمية تنسرب من بغداد إلى الشام ومصر . كان ذلك منذ مطلع القرن السابع الهجري ، الذي وُلد العلاءُ في السنة السابعة منه - بقرية القَرَشِ القريبة من دمشق - ولما كان العام المشئوم في منتصف هذا القرن ، أعنى سنة 656 هجرية . . دخل هولاكو بغداد ، فطمس وجهها على نحوٍ ، لم يسمح لها باستعادة دورها من بعد ذلك : أبداً . وازدهر العلمُ في الشام ومصر ، غير أن الشام ابتُليت آنذاك بالوقوع بين شِقَّى الرحى : المغول . . والصليبيين . ولم يكن الحالُ في مغرب العالم الإسلامي
--> ( 1 ) يقول ابن فضل الله العمري ، إن العلاء ( ابن النفيس ) شرح القانون في عشرين مجلداً ، وكان يحفظ كليات القانون ، وأنه : هو الذي جسَّر الناس على هذا الكتاب . . ( ابن فضل العمري : مسالك الأبصار مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 99 / م تاريخ - مخطوطة أحمد الثالث رقم 2797 / ج ) وقد نشرنا هذا النَّصّ - محقَّقاً - في كتابنا : علاء الدين . . ص 38 وما بعدها .