عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
76
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
والمعطاش : هو الذي إذا عطش ، وفي فمه لقمة ، لا يصبر حتى يبلعها ، ثم يشرب . بل يمسكها في شدقه ، ثم يشرب الماء ، ثم يعاود إلى مضغها . والمعرّض : هو الذي يعرض بذكر ما أخل به رب المنزل من الأطعمة ، ولو في حكاية يوردها ، فإن في ذلك نوع استصغار لهمة صاحب المنزل ، إن لم يقدر على إحضاره ، وتثقيلا عليه ان تكلف احضاره في الوقت . كمن يطعم الأرز باللبن فيقول : إن هذا الطعام نافع وإذا أكل بالسكر كان سريع الانهضام كثير التغذية ، فيضطرب صاحب المنزل ويضطر إلى إحضار السكر ، وكذلك إذا كان في الطعام جنس ما عرض به ، لكنه كان قليلا ، فيحتاج رب المنزل إلى الزيادة ، ويخجله إن لم يكن عنده . وحكي ان المأمون طلب من علي بن هشام ان يعمل له دعوة ، ولم يمهله الزمان الذي يمكن أن يحتفل فيه لدعوته ، فلما دخل المأمون دار علي شاهد من آلات التجمل ما حار له ، فقال : ما ظننت أن أحدا تبلغ مروءته ونبله إلى ما أرى ، فخاف محمد بن عبد الملك على علي من المأمون فقال : يا أمير المؤمنين ان عليا شعر بأنا نهجم عليه ، فاستعد لنا ، واستعار ، فلم يفطن علي لمقصوده ، وظنه يذهب إلى الاستنقاص بمروءته ، فبدر وحلف برأس المأمون ، ان كان استعان بأحد في تجمله ، واستعار شيئا ، فلما جلسوا على الطعام غمز المأمون أبا أحمد ولد الرشيد ، فقال أبو أحمد أشتهي مخا ، فنقلت صحاف المخ ، وهو يأكل ويستزيد ، فلما شعر الطباخ بمقصوده ، قال لأستادار علي ابن هشام : ويحك ان هو لا ، انما قصدوا الزري على مروءة سيدنا ونبله ، ولا ينبغي لنا ان نمكن من ذلك ، وقد ذبحت كل ما عندي ، وملأت الصحاف بمنحه ، وهم غير مقتنعين ، وليس يملأ عيونهم الا المخ المهري ، وكان لعلي مهر يسابق الريح ، وقد اشتراه بعشرة آلاف درهم ، فقال له : وما انتظارك به ، فقال : نستأذنه فقال : ليس هذا وقت اذن . فبادر الطباخ إلى الفصيل فذبحه وخلص عظامه وسلقها ، واستخرج المخ ، وصار يمدهم بصحاح المخ ، وهم يأكلون ، وأبو أحمد يستزيد إلى أن استحيى المأمون ، وغمز أبا أحمد فأمسك .