عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

66

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ولم تكن هذه النيران توقد لتكون هاديا ومرشدا فقط . وانما كانت نيرانا تتأجج تحت القدور والجفان لانضاج الطعام وتوفير القرى للجائعين الوافدين كما قال الحطيئة . فقد يصيب القوم في باديتهم من الجهد ما لم يسمع به من الأمم ولا في ناحية من النواحي . وان أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار . وينزع عمامته عن رأسه فيشد بها بطنه ، لذلك لم يكن غريبا أن نجد العرب يمتدحون قدور الكرماء أيضا ، وليس نارهم فقط . ويعددون صفات هذه القدور ويفاخرون بسعتها طولا وعرضا . كقول الشاعر : إن لنا قدرا ذراعان عرضها * وللطول منها أذرع وشبار فعيّره آخر بقوله وما هذه ؟ أخزى اللّه هذه قدرا ولكني أقول : بوأت قدري موضعا فوضعتها * برابية من بين ميت وأجرع جعلت لها هضب الرخام وطخفة * وغولا أثافي دونها لم تنّزع بقدر كأن الليل سحمة قعرها * ترى الفيل فيها طافيا لم يقطع يعجّل للأضياف واري سديفها * ومن يأتها من سائر الناس يشبع كما قال حسان بن ثابت في وصف جفانهم في البيت المشهور : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرق من نجدة دما وقال الأفوه الأودي « 1 » في وصف جفنة معطاء ، تجود وقت الشدة في فصل الشتاء القارس حيث تقل المؤونة وتجدب الصحراء : تهنا لثعلبة بن قيس جفنة * يأوي إليها في الشتاء الجوّع

--> ( 1 ) الأفوه الأودي : صلاءة بن عمرو ، من بني أود من صعب المذحجي ، والأفوه لقبه . من كبار الشعراء الجاهلين . وكان سيد قومه وقائدهم في حروبهم ، يصدرون عن رأيه . ويعده العرب من حكمائهم ( انظر الشعر والشعراء ص 111 - والأغاني ج 11 / 41 ) وديوانه مطبوع في مجموعة الطرائف الأدبية بمصر سنة 937 م .