عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

408

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

في جملة ما أخذن من تقاليد الحضارة الشرقية وأزيائها . من ذلك ما رواه الأمير أسامة بن منقذ أمير حصن شيرز وكان قد قضى سنوات عديدة في بلاطي دمشق والقاهرة حين دارت اتصالات دبلوماسية بينها وبين المقدس . وكان يرد اسامة إلى بلاد الفرنج على أنه رسول أو سائح أو صياد ، فعقدت بينه وبين الفرنج صداقة واضحة ، وكان له منهم أصدقاء كثر يرتاح إليهم وان كان قد نعتهم في حديثه « بأن جهنم مثواهم » . وقد روى لنا الأمير أسامة بن منقذ ما حدث له حين مر بمدينة أنطاكية وقد دعي إلى مائدة أحد الفرسان الصليبين فيها فوصف هذه المائدة قائلا « 1 » : « جئنا إلى دار فارس من الفرسان العتق الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج وقد اعتفى من الديوان والخدمة ، وله بأنطاكية ملك يعيش منه ، فأحضر مائدة حسنة في غاية النظافة والجودة ، ورآني متوقفا عن الأكل ، فقال : كل طيب النفس ، فأنا ما آكل من طعام الإفرنج ، ولي طباخات مصريات ، ما آكل إلا من طبيخهن ، ولا يدخل داري لحم الخنزير « 1 » » . كذلك تعلم الفرنج من العرب استعمال التوابل في صناعة الأطعمة وطبخها ومع الحروب الصليبية بدأ الغربيون يستعملون كبش القرنفل بأنواعه ، والطيوب الزكية والتوابل المختلفة خلال القرن الثاني عشر الميلادي ، السادس الهجري ، ومنذ ذلك القرن أصبحت ألوان الأطعمة لا تستساع ويلذ طعمها لدى الفرنج ما لم يكن بينها مأكولات تطيبها التوابل وتدخل في صناعتها وتركيبها . كما عرف الصليبيون في مصر الزنجبيل وأخذوا يضيفونه إلى أطعمتهم . وعند الاستيلاء على قيسارية استلم الجنويون فيما يروى أكثر من ستة عشر ألف ليبرة من الفلفل كحصة من الغنائم التي أصابتهم . ولم يقتصر الأمر على فن الطبخ بل تأثر الفرنج الصليبون بالعرب في صناعة العقاقير واستعمال موادها المختلفة ونقلوها إلى بلادهم كحجر الشب والند وغيرها . كذلك اكتسب الفرنج أثناء اقامتهم في بلاد المشرق أسواقا جديدة لتجارة الروائح العطرية والتوابل والحلويات وسواها من محاصيل البلاد الحارة والتي تشتهر بها بلاد العرب والهند والتي كانت أسواق سورية زاخرة بها . وقد أدت الأذواق الجديدة لدى الغربيين

--> ( 1 ) كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ : ص 103 - 104 .