عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
398
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
يؤمن لنفسه أرباحا طائلة . وفي زمنه اجتاح الطاعون مصر والبلدان المجاورة ، وهو ضربة نكبت بها البلاد أكثر من مرة ، وكان السكر يؤخذ دواء خاصا لعلاجه ، فافتقده الناس ولم يجدوه ، مما أدى إلى حدوث وفيات كثيرة من جراء هذا الوباء وفقدان الدواء « 1 » . وكان الملك الناصر محمد « 2 » من السلاطين المماليك الذين عرفوا بالبذخ والاسراف ، وتزيين جميع ما يحيط به بالزخارف مما أدى إلى افتقار الدولة وانشغاله في ميدان السلم عن الحرب . من مظاهر هذا الترف ما حدث عند عودته إلى مسكنه في القلعة بعد رحلة خارج البلاد ، لقد فرش له أهل خاصته السجاد والطنافس الثمينة على الأرض فوطأتها فرسه مسافة أربعة آلاف ذراع . وكان في صحبته عند خروجه إلى الحج أربعون جملا تحمل محاير الخضراوات مزروعة ، فكان في كل منزلة ينزلها في صحراء العرب يقدم له من تلك الخضراوات مع الطعام « 3 » . واستهلك من السكر يوم الاحتفال بزواج ابنه ( 18 ) ألف رأس ، وذبح من الحيوان ( 20 ) ألفا ، وأضاء البلاط الملكي بثلاثة آلاف شمعة أحرقت كلها ، أما قصره الأبلق « 4 » فقد بناه على طراز دمشقي ، وكان له ولع خاص بالألعاب والصيد والخيل ، وقد ترك كتابا في تربية الخيل ولم يتردد دفع ثلاثين ألف دينار ثمنا لحصان أعجبه « 5 » . هذا دأب المماليك في الانفاق واشباع رغباتهم الخفية في حياتهم ومطاعمهم واحتفالاتهم وما يرافق ذلك من ولائم وموائد ونفقات .
--> ( 1 ) ابن تغري بردي : ج 6 ، ص 273 . ( 2 ) وهو أخو الملك الأشرف خليل ، ارتقى كرسي الملك في ثلاث دورات : 1923 - 1984 ، 1298 - 1308 ، 1309 - 1940 ، تسلم الحكم وهو في التاسعة ، ويعتبر عهده من أطول عهود سلاطين المماليك . ( 3 ) تاريخ أبي الفداء : ج 4 ، ص 89 . ( 4 ) الخطط للمقريزي : ج 2 ، ص 209 . ( 5 ) هناك مخطوطة فريدة في وصف الحصان كتبها : بحروف مذهبة كاتبه الحسيني وقدمها له ، انظر فهرست المخطوطات العربية في برنستون عدد : 1066 .