عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
376
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
الحلول التي كان الأمراء والملوك يلجأون إليها للتخفيف من وقعها ، كأن تصدر الأوامر المشددة على التجار بمنع الاحتكار ، أو كأن يتعرض الحكام لقتل بعض التجار جهرة ليكون قتلهم عبرة ، فلا تحدث أحد التجار نفسه بحبس الغلة في هذه الظروف العصيبة ، أو كأن يعمد الخليفة السلطان إلى توزيع الفقراء على الأمراء ، فأمير المائة يطعم مائة ، وأمير العشرة يطعم عشرة وهكذا ، ويتعرض المقريزي في هذا الكتاب لعلاج هذه المحن ، مستعينا بدراسة اقتصادية لجميع الظروف المحيطة بها ، متعرضا لبيان الأسباب المباشرة في حدوثها ، كما يقدم بعض الحلول التي يراها كفيلة باعاقة حدوث محن أخرى جديدة تقضي على الحرث والنسل ، وتكون سببا لافتقاد الأطعمة وهلاك الناس جوعا . الحياة الاجتماعية في عهد الأيوبيين : ونستنتج من كتاب المقريزي هذا أن المجتمع الأيوبي كان مشابها للمجتمع الفاطمي من حيث تعدد الطبقات والفروق الاجتماعية الواضحة فيما بينها . لذلك كان الأمير يتعهد مائة من الفقراء أو عشرة أو أكثر حسب أحواله المادية إلى جانب الطبقات الأخرى المتعددة وهي الطبقة الحاكمة ، وطبقة الموظفين ، وطبقة القضاة ورجال الحسبة والشرطة ، ثم طبقة التجار التي كانت تتصف بالجشع والاحتكار في أيام المحن والمجاعات ، ثم طبقة العامة وطلبة العلم . وقد كانت الفوارق الاجتماعية كبيرة بين هذه الطبقات شأنها في الدولة الفاطمية ، لكن حياة الناس جميعا كانت في ظل دولة الفاطميين المدنية المطمئنة تختلف عما أصبحت عليه في ظل دولة الأيوبيين الحربية العسكرية . وبينما كان الناس في عهد الفاطميين يعيشون في فراغ واطمئنان وترف مسرف ، نجد الأيوبيين ينفقون كل ما يجمعون من أموال على حروبهم وغزواتهم ضد الفرنج وغيرهم . لذلك افتقرت الدولة الأيوبية إلى المال ، وكان لا بد للسلطان صلاح الدين من أن يجبي الأموال من البلاد المفتوحة ، حيث كان المسلحون يغنمون منها غنائم عظيمة ، ولا سيما من المدن التجارية ، مثل صور واللاذقية « فكان يأخذ من الأسرى : من الرجل عشرة دنانير ، ومن المرأة خمسة دنانير ، ومن كل صغير دينارين الذكر والأنثى سواء « 1 » » .
--> ( 1 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 40 .