عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

372

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

تكون سبيلا للاستيلاء على بيت المقدس مرة ثانية بعد أن حررها صلاح الدين في معركة حطين سنة 583 ه . كما أمر بحرق عسقلان ليقطع سبيل الانتقال على الصليبين ما بين مصر وبلاد الشام . وقد نزل السلطان صلاح الدين إلى السوق ، واستنفر الناس على الخراب ثم أمر بحرق البلد ، فأضرمت فيه النار ، فاشتعلت ألسنتها تأكل الأخضر واليابس . وقد ظلت النار مشتعلة في هذه المدينة المنيعة يومين بليلتيهما ، مما قضى على المؤونة التي ادخرها أهلوها ، والأطعمة التي وفروها لأيام الشدة . وفي ذلك يقول العماد الأصفهاني في كتابه « الفتح القسي في الفتح القدسي » : « ودخلتها فرأيتها أحسن مدينة منيعة حصينة ، فطال بكائي على رسومها ، وفض ختومها ، وقبض أرواحها من جسومها ، وحلول الدوائر بدورها ، ونزول السوء بسورها ، فما برح السلطان منها حتى رأينا طلولها دوارس ، ورسومها طوامس ، والرؤوس - حياء من معاهدها - نواكس . . . » . وقد هاجر أهل عسقلان إلى مصر والشام في أثناء هذا التخريب وقد نزلت بهم كثير من الخسائر مما اضطرهم أن يبيعوا أمتعتهم بأبخس الأسعار وكذلك نفائسهم وطعومهم بأزهد الأثمان ، فقد بيعت اثنتا عشرة دجاجة بدرهم واحد ، ومع هذا ، فقد تقبلوا ذلك عن طيب خاطر ، وبصبر وجلد عظيمين واثقين من العودة والرجوع ، بعد أن ينتصروا على الفرنج ويلحقوا بهم أشد الهزائم « 1 » . ويحدثنا أيضا صاحب « النجوم الزاهرة كما حدثنا العماد الأصفهاني عن حريق مدينة عسقلان وخرابها ، لئلا تقع في يد الصليبين ، وكيف اضطر الناس إلى بيع أطعمتهم بأرخص الأسعار فيقول : « ودخل الناس البلد ، ووقع فيهم الضجيج والبكاء لفرقة بلادهم وأوطانهم وكان بلدا خفيفا على القلب ، محكم الأسوار ، عظيم البناء ، مرغوبا في سكنه ، فلحق الناس على خرابه حزن عظيم ، وشرع أهل البلد في بيع ما لا يقدرون على حمله ، فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد ، حتى باعوا اثنى عشر طيرا ودجاجا بدرهم . . . واشتد

--> ( 1 ) الفتح القسي في الفتح القدسي : للعماد الكاتب الاصفهاني : ص 551 وما بعدها تحقيق وشرح محمد صبح ، وانظر كتاب « صلاح الدين الأيوبي » للدكتور الرمادي ص 47 .