عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

370

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ولا سيما غذاء الشعب الأساسي الذي هو « الخبز » مما دعا الحلبيين أن يشقوا عصا الطاعة ويعلنوا إضرابهم ، ويهموا بقتل نائب المحتسب وينهبوا دار المحتسب نفسه لأنه رفع سعر الرطل من الخبز قرطاسا واحدا . الحروب والنكبات وأثرها على أطعمة العصر : يبدو أن دولة الأيوبين إثر النكبات وإثر المعارك بينها وبين الصليبيين كانت تفتقر إلى الطعام بأنواعه المختلفة ولا سيما الرغيف من الخبز قوت الشعب اليومي . يروي لنا صاحب النجوم في حوادث سنة 647 ه أي في عصر ابن العديم وحياته أنه عندما سلم الملك الظاهر ، والملك الأمجد ابنا الملك الناصر داوود « الكرك » إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين ، بغير رضا أبيهما الناصر ، فأعطى الملك الصالح للظاهر بن الظاهر داوود عوضا عن « الكرك » خبز مائتي فارس بمصر وخمسين ألف دينار ، وثلاثمائة قطعة قماش ، وأعطى لأخيه الأمجد خبز مائة وخمسين فارسا بمصر « 1 » » . يا للعجب مدينة تسلم مقابل تأمين الخبز للمقاتلين ، هذا ما يوضح لنا سوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعاني منها الشعب العربي في مصر وسورية في عصر ابن العديم خلال النكبات والمجاعات والحروب . ولكن الأعجب من ذلك ان ابن العديم نفسه لم يكن يشعر بهذه الضائقة الاقتصادية والمعاناة من الجوع والحرمان التي يكتوي الشعب بنيرانها فيما يتعلق بشؤون طعامه وشرابه ، وكأن ابن العديم كان يعيش في برج عاجي ، في قصور السلاطين الأيوبيين ، وينبعث في وصف مآكل القصر من وحي مطابخهم وما كان يوضع ويؤكل على موائدهم ، فيصف ما تخرجه مصانعهم الضخمة من أنواع وألوان الأطعمة الشهية ، وما يدخل في تركيبها من مواد غذائية دسمة بكميات وفيرة من اللحوم والمكسرات النفيسة ، ومن عسل مصفى تحلى به جواذب وقطائف تحار في أنواعها وتعدد أسمائها كما سنرى في كتاب « الوصلة » الذي حققناه . كيف لم يشعر ابن العديم بالضائقة الاقتصادية التي جرتها على البلاد حروب الصليبيين وحصاراتهم وغاراتهم المفاجئة على المدن المختلفة في بلاد الشام كما حدث في

--> ( 1 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 362 .