عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
341
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
« فقد كان الخليفة يجلس إلى وقت السحور ، والمقرئون تحته يتلون عشرا . ثم يحضر بعدهم المؤذنون ، ويأخذون في التكبير وذكر فضائل السحور ، ولما ينقضي من الليل أكثر من نصفه ، ثم يحضر بين يدي الخليفة أستاذ بما أنعم به عليهم وعلى الفراشين ، وتحضر جفان القطائف ، وجرار الجلاب برسمهم ، فيأكلون ويملؤون أكمامهم وما فضل عنهم تخطفه الفراشون ، ثم يجلس الخليفة في السدل « 1 » التي كان بها عند الفطور وبين يديه المائدة معبأة جميعها من جميع الحيوان وغيره . والقعبة « 2 » الكبيرة الخاص مملوءة أوساطه بالهمة المعروفة ، ويحضر الجلساء ويستعمل كل منهم ما اقتدر عليه ، ويومئ الخليفة بأن يستعمل من القعبة . فيفرق الفراشون عليهم أجمعين ، وكل من تناول شيئا قام وقبل الأرض وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده وأهله ، لأن ذلك كان مستفاضا عندهم ، غير معيب على فاعله ، ثم تقدم الصحون الصيني مملوءة قطائف . فيأخذ منها الجماعة الكفاية ، ويقوم الخليفة ويجلس بالباذهج وبين يديه السحورات المطيبات من لبئين رطب ومخض ، وعدة أنواع عصارات وسويق ناعم ، وجريش ، جميع ذلك بقلوبات وموز ، ثم يكون بين يديه صينيه ذهب مملوءة سفوفا ، ويحضر الجلساء ويأخذ كل منهم في تقبيل الأرض والسؤال بما ينعم عليه منه . فتتناوله المستخدمون والأستاذون ويفرقوه ، فيأخذه القوم في أكمامهم وينصرفون « 3 » » . هذا السلوك الطارئ على آداب العرب في مآكلهم انما هو نتيجة واضحة لما تركته الحضارة الفارسية المعقدة والأخلاق الفارسية من أثر في عقلية العرب وأخلاقهم . بالإضافة إلى ذلك فقد كان للفاطميين تقاليد ومراسم خاصة ومعقدة فيما يقام من أسمطة في الاحتفالات الأخرى كما في المواكب الرسمية مثلا حيث كانت أعظم أسمطة المأكول والمشروب توضع بالإيوان الكبير وليس في قاعة الذهب كما في الأعياد ، فإذا خرجت القضاة وسائر أرباب الأقلام من الخدمة ، مد الإيوان الكبير من أوله إلى آخره بأنواع الأطعمة المنوعة الفاخرة ، ويجلس السلطان على رأس الخوان والأمراء يمنة ويسرة على قدر مراتبهم في القرب من السلطان . فيأكلون أكلا خفيفا ، ثم يقومون ويجلس
--> ( 1 ) السدل : بضم السين ج اسدال وسدول وأسدل : الستر . ( 2 ) القعبة : بكسر العين ، والقعب : القدح الضخم الغليظ . ( 3 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 494 .