عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
334
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
عليها صنوف الفطائر والحلوى الشهية مما أعد في دار الفطرة الخليفية « 1 » » . ويحدثنا ناصرخسرو عن هذه المآدب والموائد ويصف تشوقه لرؤيتها لكثرة سماعه عنها عندما زار مصر في عهد الفاطميين فيقول : « وقد سمعت كثيرا عن هذه المآدب فرغبت في رؤيتها رأي العين ، فذهبت عند أحد كتاب السلطان وكنت قد صاحبته فتوطدت الصداقة بيننا . وقلت له : رأيت مجالس ملوك وسلاطيين العجم مثل السلطان محمود الغزنوي وابنه السلطان مسعود ، وقد كانا ملكين عظيمين ذوي نعمة وجلال ، وأريد أن أرى مجلس أمير المؤمنين . فنقل رغبتي إلى الموكل بالستارة المسمى « صاحب الستر « 2 » » وقد تفضل هذا فسمح لي بالذهاب في آخر رمضان سنة أربعين وأربعمائة ، وكان المجلس قد أعد لليوم الثاني وهو يوم العيد ، حيث يحضر السلطان بعد الصلاة فيجلس في صدر المائدة « 3 » » . ويصف ناصرخسرو مائدة للمستنصر رآها يوم العيد فيقول : « إنه رأى في هذه المائدة شجرة أعدت للزينة تشبه شجرة الترنج ، كل غصونها وأوراقها وثمارها مصنوعة من السكر ، ومن تحتها ألف صورة وتمثال مصنوعة كلها من السكر أيضا « 4 » » . وقد رأينا أن هذه التماثيل قد احتلت جزءا هاما من موائد الخلفاء والأمراء مما أدى إلى كثرة الانفاق في المواد الغذائية ولا سيما السكر . بحيث قيل إن راتب السكر في ذلك اليوم الذي تنصب فيه مائدة السلطان يبلغ خمسين ألف منّ « 5 » ، وكانت هذه التماثيل والألوان المختلفة من الأطعمة تعد في مطبخ القصر ، حيث يقع بجوار القصر الغربي قبالة باب الزهومة من القصر الكبير ، وموضعه الآن الصاغة تجاه المدرسة الصالحية وكان يخرج من المطبخ المذكور مدة شهر رمضان قدر ألف من من جميع ألوان الطعام ، تفرق كل يوم على أرباب الرسوم والضعفاء « 6 » » .
--> ( 1 ) تاريخ الاسلام السياسي : حسن إبراهيم حسن ، ج 3 - ص 441 . ( 2 ) لعله أراد صاحب الباب ، وهي تأتي ثاني رتبة بالوزارة . ( 3 ) سفرنامة : ص 63 . ( 4 ) سفرنامة : ص 64 . ( 5 ) المن : ج أمنان : كيل أو ميزان ، وهو شرعا 180 مثقالا ، وعرفا 280 مثقالا . انظر الأوزان والمكاييل في القسم للثاني من كتابنا « الوصلة » وكذلك ص ( 322 ) من هذا القسم . ( 6 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 462 .