عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
323
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وإلى جانب هذه الطبيعة المعطاء التي حباها اللّه أرض مصر وبلاد الشام أيام الفاطميين ، فإن كنوزهم وأموالهم بلغت حدا عظيما ساعد على الانفاق والسخاء مما جعل القاضي الفاضل يصفها عندما استولى على مصر السلطان صلاح الدين الأيوبي فيقول : « وفي ثالث عشرين ، يعني ربيعا الآخر سنة سبعة وستين وخمسمائة كشف حاصل الخزائن الخاصة بالقصر . . . ومقدار ما يحدس أنه خرج من القصر ما بين دينار ودرهم الخاصة بالقصر . . . ومقدار ما يحدس أنه خرج من القصر ما بين دينار ودرهم ومصاغ وجوهر ونحاس وملبوس وأثاث وقماش وسلاح ما لا يفي به ملك الأكاسرة ولا تتصوره الخواطر الحاضرة ، ولا يشتمل على مثله الممالك العامرة ، ولا يقدر على حسابه الا من يقدر على حساب الخلق في الآخرة « 1 » » . هذا الازدهار والنماء الاقتصادي ، وهذا الثراء العظيم الذي بلغ أوجه في العصر الفاطمي انما هو دليل واضح على أن العرب قد أوتوا مادة كفيلة للانفاق على موائدهم العامرة حيث كانت تعد في المواسم والاحتفالات والأعياد . وفي الواقع لقد اهتم الفاطميون اهتماما عظيما بأعياد الشعب من اسلامية وقبطية . وينقل المقريزي عن المسبحيّ « 2 » المتوفى عام 0420 ه وصفا فخما لهذه الأعياد نتبين منها أنها كانت استعراضا فخما « توقد فيه النار والمشاعل ويجتمع الناس ومعهم التماثيل والمضاحك والخيال ، ويتخذون ما شاؤوا من اللهو والفسق والفجور « 3 » » . وقد كانت حياة مصر حياة لين ودعة ، وذلك لما عرف عن أهلها حينئذ من اللهو والدعة « 4 » ولما وصفوا به من أنهم « أهل ترف وتجمل « 5 » » وقد شجع الحكام الفاطميون أنفسهم على هذه الحياة ، وسار الناس على نهجهم وأحبوهم . فقد كان من عادة المستنصر الفاطمي كل سنة أن يركب على النجب مع النساء والحشم إلى موضع نزهة أنشأه ، فيخرج اليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة ومعه ألوان الطعام ، ومعه الخمر
--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 496 . ط : بولاق . ( 2 ) المسبحي : هو ( عز الملك ) ولد في الفسطاط ، خدم الحاكم بأمر اللّه ، وتقلد الأعمال والولايات وترتيب بيت المال ، له كتاب « أخبار مصر وفضائلها وعجائبها وطرائفها وغرائبها وما بها من البقاع والآثار وسير من حلها » وهو مخطوط في الاسكوريال . ( 3 ) المرقص والمطرب : لابن سعيد ، ص 45 . ( 4 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 49 . ( 5 ) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم : المقدسي ص 305 .