عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

30

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

فالطباخة اذن فن وصناعة وعلم . وإذا اعتبرنا علم الطباخة على أنه جزء من علم تدبير المنزل ، وفرع من علم الأغذية وقضايا التغذية الهامة التي شغلت العلماء والباحثين على مدى العصور ولا سيما في العصر الحاضر أدركنا مدى الأهمية الكبرى التي يجب أن نوجهها إلى المخطوطات العربية القديمة والتي تناولت موضوع الأغذية وفن الطباخة وصناعتها في تاريخ الأغذية في الاسلام ، وخلال العصور المختلفة منذ جاهلية العرب وبساطة العيش فيهم ، إلى نهضة الأمويين واضطرابهم بين الترف والتقشف . ثم أيام العباسيين وانغماسهم في اللذة والإسراف في التنعم ، تلك الظاهرة التي أخذوها عن الأمم التي اختلطوا بها ولا سيما من حضارة الروم والهند والفرس . إن لفن الطبخ وإدارة المطبخ أهمية لا يستطيع أن ينكرها كل من له شهية ومعدة تنفتح أمام ألوان مختلفة من الطعام والشراب . وبذلك يتساوى البشر دون فارق . وما من إنسان الا ويضع شيئا من نفسه في طعامه وشرابه ، كما يضعها في ملابسه وأثاث بيته . فإن كان ممن يعنون به ففي تلك العناية دليل على ذوقه وخلقه وتفكيره ، وإن كان ممن ينصرفون عن الاهتمام به فربما كان سر انصرافه عن التفنن في طعامه ونعدد أنواعه شواغل فكره وهموم قلبه . فلا ينصرف ولا يلم ولو الماما بسيطا بصناعة التحسين والتزيين في أصناف الغذاء وألوان الطعام . بل يتناول منه ما يسد رمقه ويقيم أوده . مع أن البون شاسع بين أن يتناول المراء طعاما شهيا قد أعد له وبين أن يهيء هذا الطعام بنفسه وأن يكون مخترعا وصانعا لأصنافه وأنواعه . وإذا دخلنا مطعما فلن نجد بعد تصفح موائد المتلهفين لوجبة غداء أو عشاء ، لن نجد أمتع لنا من تنوع الأصناف والأطباق وتفنن الآكلين في اختيار كل شهي وغريب من تلك الأنواع . ولعل مثل هذا الاختيار تعبير عن شخصية الطاعم أو الشارب خلال عصور الحضارات المختلفة . وقلما اختلفت الأمم قديما وحديثا في شيء اختلافها في شرابها وطعامها . فتباين الغذاء وطريقة اختياره ثم مزج أصنافه وتركيبها وصناعتها ينطوي فيه تباين الإقليم والمعيشة والعادة والصناعة والحكم والدين والتفكير . وما من خطوة يخطوها الغذاء مذ أن يكون زرعا في الأرض أو لحما في جسم حيوان إلى أن يصبح طعاما للعظيم والحقير والكبير والصغير إلا ويتراءى فيه علم الأمة وقدرتها على تحضيره وذوقها في اختياره وخبرتها في إعداده