عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
290
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
حاسر كفيك على هاون * لدق ثوم أو لسمّاق « 1 » إذا انتهى القوم إلى شبعهم * فأنت في حل من الباقي كل رغيف ناصع لونه * من سابري الخبز براق « 2 » أين هذه الحياة حياة عامة الشعب الذين يرزحون تحت أثقال البؤس الممضة والعمل المضني جائعين ظامئين يفتشون عن الطعام والمأوى من حياة الطبقة الأرستقراطية التي كانت تجني وتقطف ثمار أعمال هذه الطبقة الكادحة ، فيعيش الأغنياء والأمراء في بروجهم العاجية وقصورهم الباذخة ، يسمرون ويسكرون في مجالس الشراب ، ويأكلون فيتخمون على موائد الطعام . لقد ترف الأمراء والوزراء في الدولة البويهية فكانوا يتأنقون ويسرفون ويعيشون في رفاه وسعة « في قصر مشيد له باب حديد ودونه زمرة من عبيد « 3 » » وكان الصاحب بن عباد يعجب بالخز ويأمر بالاستكثار منه على خدمه وغلمانه فكانوا يبدون في الخزوز الفاخرة الملونة « 4 » وكان الحكام والأمراء يعيشون في قصورهم حياة مترفة مليئة بالتنميق والتذويق والترف والأناقة في كل شيء . في الرياش الفاخر في قصوهم ، وفي موائدهم وفي ثيابهم وشرابهم . وكان تأثير الذوق الفارسي واضحا تماما في أذواقهم بما في ذلك أدبهم : من شعر مرّ بنا ونثر سنتوقف عند بعضه وقفة قصيرة ، لذلك تعقدت الحضارة العربية في هذه الفترة وتحولت الحياة الجديدة إلى تعقيد وتصعيب في أواخر القرن الرابع الهجري حيث كان البويهيون هم الحاكمون ولعل أروع ما يصور هذا الجانب من الحياة المعقدة المترفة ولا سيما في أدوات طعامهم ، ما يروى عن الوزير المهلبي - المتوفي عام 352 ه . من أنه كان « إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللبن وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا ، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة ، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام في الجانب الأيسر ، ثم يأخذ
--> ( 1 ) السماق : جنس شجر أو جنيات من فصيلة البطميات ، مهده الأصلي منطقة المتوسط . تستعمل بزوره تابلا وأوراقه دباغا . ( 2 ) يصف رغيف الخبز باللبن والنعومة والبريق - والسابري : ثوب جيد ، الأبيات من ديوان أبي نواس ص : 564 . ط : القاهرة سنة 1953 م . ( 3 ) مقامات الحريري : المقامة ( 39 ) . ( 4 ) يتيمة الدهر : ج 3 - ص 171 ط . الصاوي .