عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

240

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

فعل أهل البصرة في عهد المتضد إذ أرسلوا وفدا كبيرا اليه يشكو ما نزل بمدينتهم من غلاء فاحش آملين أن يمد الخليفة لهم يد المساعدة « 1 » . ويرفع الشاعر الساسيّ « 2 » شكواه إلى الوزير الحسن بن سهل مصورا حاله وحال أبنائه وما يعانونه من فقر مدقع في حين قد عز الغذاء ، وان حصلوا على بعضه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وذلك بسبب غلاء الأسعار ، يقول الشاعر : الناس أشباه كما قد مثّلوا * وفيهم خير وأنت خيرهم حاشا أمير المؤمنين انه * خليفة اللّه وأنت صهرهم فأحسنوا التدبير لما ناصحوا * وأمنوا العتب فطال نصحهم إليك أشكو صبية وأمهم * لا يشبعون وأبوهم مثلهم قد أكلوا اللحم ولم يشبعهم * وشربوا الماء فطال شربهم وامتذقوا المذق « 3 » فما أغناهم * والمضغ ان نالوه فهو عرسهم لا يعرفون الخبز الا باسمه * والتمر هيهات فليس عندهم وما رأوا فاكهة في سوقها * وما رأوها وهي تنحو نحوهم زعر الرؤوس قرعت هاماتهم * من البلا واستك منهم سمعهم كأنهم جناب أرض مجدب * محل فلو يعطون أوجى « 4 » سهمهم بل لو تراهم لعلمت أنهم * قوم قليل ريّهم وشبعهم وقد أدت هذه الحياة المتناقضة التي تجمع بين رفاهية قوم وبؤس آخرين ، وغنى قوم وفقر الكثيرين أدت إلى ظهور حركة الزهد . وسببها أن قوما قد يئسوا من الغنى ورأوا أن نفوسهم تترفع عن التقرب من ذوي الجاه والمال فلجأوا إلى القناعة يروضون أنفسهم عليها . بينما انصرف قوم أخرون عن لذات الحياة الدنيا ورأوا أن النفس إذا ما طمحت تفتحت أمامها شهوات لاحد لها ، ولهذا أمسكوا بعنانها وأوقفوها عند حدها وقالوا مع القائل :

--> ( 1 ) مروج الذهب : ج 4 - ص 149 . ( 2 ) هو أبو فرعون الساسي . من أفصح الناس وأجودهم شعرا وأكثرهم نادرة . ( 3 ) المذق : اللبن الممزوج بالماء . وامتذق : اللبن خلطه بالماء . ( 4 ) أوجى الرجل : جاء لحاجة فلم يصبها ، ويقال سأل حاجة فأوجى أي أخفق .