عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
237
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وقد كان المتوكل يعبث بأموال الشعب تبديدا أحمق في سبيل لذته وشرابه . ويروى أنه شرب يوما في قصره المسمّى « بالبركوار » ، فقال لندمائه ، ولم تكن الأيام أيام ورد ورياحين : أرأيتم إن عملنا احتفالا بالورد أو كما نطقه بالفارسية : « شاذكلاه » ، فقالوا له : لا يكون الشاذكلاه الا بالورد وليست الأيام أيام ورد ، فقال : ادعوا لي عبيد اللّه بن يحيى - وكان أحد وزرائه - فحضر ، فقال له : اضرب لي دراهم ، في كل درهم حبتان من الفضة ، فسأله : كم المقدار يا أمير المؤمنين ، فأجابه خمسة ملايين درهم ، فأمر عبيد اللّه بضربها ، فضربت . وأنبأ المتوكل بضربها ، فقال له : اصبغ طائفة منها بالحمرة وطائفة بالصفرة وطائفة بالسواد ، واترك طائفة على حالها . فصنع عبيد اللّه ما أمره به ، ثم تقدم المتوكل إلى خدمه وحواشيه - وكانوا سبعمائة - فأمرهم أن يعد كل منهم قباء جديدا وقلنسوة بخلاف لون قباء صاحبه وقلنسوته ، ففعلوا . ثم تحيّن يوما فيه ريح ، فأمر أن تنصب قبّة بها أربعون بابا ، فاصطبح بها والندماء حوله وعلى الخدم الكسوة الجديدة ، وأمر المتوكل بنثر الدراهم ، كما ينثر الورد ، طائفة طائفة ، فنثرت تباعا وكانت الريح تحملها لخفتها ، فتتطاير كما يتطاير الورد « 1 » . ولم يكن الخليفة المعتمد أقل لهوا وشرابا من سلفه المتوكل . فقد فرغ لهما ، ويقول المسعودي فيه : « كان مشغوفا بالطرب ، والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهي « 2 » » . وكان الراضي قد عاهد ربّه ألا يشرب وظل على ذلك سنتين من خلافته مع اذنه لجلسائه وندمائه بالشرب . ثم وجدوا له رخصة من يمينه فكفّر عنها وعاد إلى الشراب ، وآخر الخلفاء المستكفي وكان قد ترك الشراب ، فلما ولي الخلافة دعا به توا وعاد إلى شربه « 3 » . هذا اذن ما كان من سرف الدولة العباسية وخلفائها وأغنيائها في اللهو والمجون والانفاق على الطعام والشراب . ولن أتوسع هنا في الحديث عن شراب العرب ومجالسه وما كان نتيجة ذلك من تهتك ولهو مباح وغير مباح . لأن هذا يحتاج إلى بحث طويل وحديث آخر لا يسع هنا له المجال . وحسبي أنني ألممت المامة سريعة بما كان يرافق
--> ( 1 ) الديارات للشابشتي : ص 160 - الطبعة الثانية . ( 2 ) مروج الذهب : ج 4 - ص 131 . ( 3 ) مروج الذهب : ج 4 - ص 267 .