عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
234
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
قطن . فسلمت عليه فردّ السلام وقال لي : يا أصمعي ، ليس هذا من ثياب هذا اليوم . قلت أصلح اللّه الوزير ، انما يلبس الرجل ما يجد ، فقال يا غلام ، ألق عليه شيئا من الوبر ، فأتيت بمثل ما عليه فلبسته حتى الجورب ، ثم أتي بخوان لم أدر ما جنسه ، غير أني تحيّرت في جنسه ، وبصحفة مشمسة فيها لون من مخ الطير فتناولنا منها . ثم تتابعت الألوان ، فأكلت من جميع ما حضر . ألا والذي اصطفى محمدا صلى اللّه عليه وآله بالرسالة ما عرفت منها لونا واحدا . إلا أني لم آكل في الدنيا شيئا يدانيها قط لذة وطيبا عند خليفة ولا ملك . ثم رفع الخوان ، وأتينا بألوان من الطيب ، فغسلنا أيدينا ، وكنت كلما استعملت منه لونا ظننته أطيب ما في الدنيا من عطر فاخر ، حتى إذا استعملت غيره زاد عليه طيبا ، فلما فرغنا من ذلك إذا غلام قد أقبل معه جام بلور فيه غالية ، قد ازرقت بكثرة العنبر فتناولناه بملعقة من الذهب حتى نضحناه « 1 » ، فصرت كأني جمرة ، ثم قال اسقنا فسقاه رطلا وسقاني مثله فما تجاوز واللّه لهاتي حتى كدت أطير فرحا وسرورا وصرت في مسلاخ « 2 » ابن عشرين طربا « 3 » . هذا مجلس من مجالس الوزراء ضم مختلف أطايب الحياة . فقد تنوعت فيه صحاف الطعام واختلطت على الأصمعي ألوانه ، وعجب لروائح الطيب التي كانت تعبق من بين يديه وثيابه وانتشى بكؤوس الراح فشعر كأنه في العشرين من عمره ، لكن مجالس الشراب كثيرا ما كانت تفصل عند العباسيين عن وقت طعامهم . الخلفاء ومجالس الشراب : لقد كثر الشراب عند العرب وتعددت أنواعه لأنهم أخذوا عمن جاورهم من الأمم أنواعا مختلفة من الشراب وألوانا جديدة من العادات . فقد أخذ أهل الشام عن الروم نوعا من الخمر ممزوجا بالعسل ونقلوا اسمه الرومي وهو الرّساطون « 4 » ( Rasatan )
--> ( 1 ) نضحناه : نضح الماء والعطر رشه والنضوح : نوع من الطيب تفوح رائحته . ( 2 ) المسلاخ الجلد ويراد هنا هيئة ابن عشرين وصورته ، وفي قول عائشة « ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة » . ( 3 ) طبقات الشعراء لابن المعتز : ص 214 ط . دار المعارف بمصر . ( 4 ) انظر لسان العرب في مادة « رسط » . ويقول صاحب القاموس « الرساطون » الخمر وكأنها رومية دخلت في كلامهم : ج 2 - ص 361 .