عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
232
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
فإذا ما أدرت فيها بناني * لم أجد ما أمسه ببنان إنني ماضغ على غير شيء * غير صك الأسنان بالأسنان ترجع الكف وهي أفرغ منها * عند مدّى لها فدأبي وشأني « 1 » كذلك يصف لنا المقريزي ما قدمته امرأة قبطية للمأمون وبعض أفراد أسرته وكبار دولته عندما نزلوا في ضيعتها سنة 0217 ه من أصناف الطعام والشراب وما بذلته من أفانين في سبيل اكرامهم وتوفير أسباب الراحة لهم . ومن سياق هذا الخبر نستطيع أن نقف على مدى ثروة مصر في ذلك العصر ، وعن الترف المفرط الذي انغمست فيه هذه الطبقة من الأغنياء ولا سيما فيما يتعلق بالطعام والشراب . قال المقريزي : « ان المأمون لما سار في قرى مصر ، كان يبني له بكل قرية دكة يضرب عليها سرادقة والعساكر من حوله ، وكان يقيم في القرية يوما وليلة . فمر بقرية يقال لها طاء النحل ، فلم يدخلها لحضارتها . فلما تجاوزها خرجت اليه عجوز تعرف بمارية القبطية صاحبة القرية وهي تصيح . فظنها المأمون مستغيثة متظلمة فوقف لها . وكان لا يمشي أبدا الا والتراجمة بين يديه من كل جنس فذكروا له أن القبطية قالت : يا أمير المؤمنين ! نزلت في كل ضيعة وتجاوزت ضيعتي ، والقبط تعيرني بذلك وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يشرفني بحلوله في ضيعتي ليكون لي الشرف ولعقبي ، ولا تشمت الأعداء بي ، وبكت بكاء كثيرا . فرقّ المأمون وثنى عنان فرسه إليها ونزل . فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ « 2 » وسأله كم تحتاج من الغنم والدجاج والفراخ والسمك والتوابل والسكر والعسل والطيب والشمع والفاكهة والعلوفة وغير ذلك مما جرت به عادته . فأحضر جميع ذلك اليه بزيادة . وكان مع المأمون أخوه المعتصم وابنه العباس وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ، ويحيى بن أكثم ، والقاضي أحمد بن أبي داؤد ، فأحضرت لكل واحد منهم ما يخصه على انفراد ولم تكل أحدا منهم ولا من القواد إلى غيره . ثم أحضرت للمأمون من فاخر الطعام ولذيذه شيئا كثيرا ، حتى أنه استعظم ذلك . فلما أصبح وقد عزم على الرحيل ، حضرت اليه ومعها عشر وصائف ، مع كل وصيفة طبق .
--> ( 1 ) انظر في الخبز أرزي وحياته وأشعاره اليتيمة ج 2 - ص 267 ، ومروج الذهب ج 4 - ص 259 ، والنجوم الزاهرة ج 3 - ص 276 ، وزهر الآداب ج 2 - ص 137 ، وذيل زهر الآداب : ص 149 وديوان المعاني : ج 1 - ص 272 . ( 2 ) يعني مطبخ المأمون .