عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

207

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ناحية الشام ، فقصد طريقا له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه وكان برا به . فقال ناهض : « فمررت بقربة يقال لها قرية بكر بن عبد اللّه الهلالي . فرأيت دورا متباينة ، وخصاصا قد ضم بعضها إلى بعض . وإذا بها ناس مقبلون ومدبرون . عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر . . . فبينا أنا واقف متعجب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء ، وأدخلني فيها بيتا قد نجّد في وجهه فرش ومهدت . . . فلم أنشب أن دخل رجال يحملون هنات « 1 » مدوّرات ، أما ما خف منها فيحمل حملا . وأما ما كبر وثقل فيدحرج . فوضع ذلك أمامنا وتحلق القوم عليه حلقا . ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا . فظننتها ثيابا . وهممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطعها قميصا . وذلك أني رأيت نسجا متلاحما لا يبين له سدى ولا لحمة . فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزق سريعا . وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه . ثم أتينا بطعام كثير بين حلو وحامض ، وحار وبارد فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم . ثم أتينا بشراب أحمر في عساس « 2 » فقلت لا حاجة لي فيه ، فإني أخاف أن يقتلني . . . فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به وجعلت أكثر منه فلا أمل شربه « 3 » . . . » . لقد بلغت دهشة هذا البدوي حدا لم يميز معها الفرق بين الخبز والثياب مما لا عهد له به في البادية . وطبيعي أن يجد هذا البدوي نفسه غريبا في جو قد سيطر فيه الترف على كل مظاهر الحياة ، سواء في ملبس القوم أو زينتهم أو فرشهم أو طعامهم وشرابهم . لقد أصبح الناس في العصر العباسي يطعمون ويشربون في أواني الذهب والفضة وصحاف الصيني المزخرفة والصحاف الزجاجية المنقوشة والمحفورة . وتفنن لهم الطهاة في ألوان الطعام والشراب . وكانوا يسمّون باسم ما يعدونه من خباز وطباخ وخباص وهو الذي يصنع الحلوى ، وشرابي وهو صانع الشراب وألوانه وفي كتاب البخلاء للجاحظ حشد كبير من الأطعمة والمشارب وهي في جملتها فارسية . فمنها « السكّباج » وهو لحم يطبخ بخل مع شيء من الزعفران لتطيب رائحته « والطباهج »

--> ( 1 ) الهنات : ج هنة . أي أشياء . ( 2 ) العساس بكسر العين : ج عس بالضم : القداح الكبيرة . ( 3 ) الرواية طويلة ولم أذكر منها الا ما يتعلق بالطعام والشراب . اقرأ القصة بتمامها في الأغاني ج 2 - ص 36 .