عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
183
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
طهي هذه الأطعمة وتحضيرها كثيرة جدا . ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتاب « المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم » للجو اليقي . حيث يجد كثيرا من الكلمات الفارسية واليونانية والهندية التي تسربت إلى اللغة العربية ليس فقط فيما يتعلق بالأطعمة وإنما في مختلف جوانب الحياة كالملابس والمشارب وأنواع الطيب وآلات الطرب والغناء واللعب والصيد وغيرها . وكل هذا دليل على اختلاط العرب بالفرس وغيرهم من الأمم ، وتأثرهم بثقافتهم وعاداتهم الاجتماعية ، وقد عم أثر هذه الظاهرة الناس جميعا في عهد الخلافة الأموية . ولا سيما طبقة الخلفاء والأمراء والوزراء والأغنياء . سيطرة العنصر العربي وغلبة أذواقه : لقد تمثل العرب في العصر الأموي حضارة هذه الأقوام كأهل كل دولة ولم ينتصف القرن الأول الهجري حتى جمع أغلب العرب في المدن التي نزلوها أصنافا من الرفاهية . منهم من انغمسوا فيها إلى رؤوسهم ، ومنهم من تجافت نفوسهم عن الانغماس فيها . ومع هذا فقد جمع بنو أمية بين الرفاهية وشيء من أخلاق العرب في الخشونة . فكان من خلفائهم من لا ينزل المدن في الشام إلا قليلا . ويتخذون لهم قصورا في الأرياف والبوادي لئلا يغلب على نفوسهم ونفوس بنيهم الترف فيفسدهم ، وتضيع بذلك حضارة العرب وشجاعتهم . وإذا نظرنا نظرة عامة لنقارن بين الحياة الأموية ، والحياة العباسية وجدنا أن حياة الأمويين كانت أقل تكلفا وأكثر سذاجة ، وأدل على الذوق العربي البدوي البسيط ، وأكبر ظاهرة نراها أن سيطرة العنصر العربي في العهد الأموي صبغته بهذه الصبغة وجعلته إذا أراد الترف والنعيم يتخير من ترف الأمم الأخرى ونعيمها ولا يأخذه كما هو بحذافيره . ثم يعدّل فيه حسب ذوقه وميوله ويجعل منه طرازا عربيا متخيرا لا فارسيا صرفا ولا روميا بحتا . معاوية أول من أدخل الترف على طعامه : لقد كان معاوية بن أبي سفيان أول من طور في أساليب الحياة العربية متأنقا في طعامه وشرابه ولباسه . وأول من أدخل الترف عامة من خلفاء بني أمية ثم تبعه من جاء بعده .