عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
181
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
في أخبار المدينة مثلا فنجد أن أهلها ينعمون بألوان الطعام المختلفة « 1 » ، رافلين رجالا ونساء في الثياب الحريرية وأنواع الطيب والعطور « 2 » . كذلك أترفت مكة وغرقت البصرة التي نزلها كثير من الرقيق الفارسي في خضم من الترف الشديد . ومن الطبيعي في مثل هذا المجتمع المتحضر المترف أن ترقى أذواقه وتدق أحاسيه وأن ينصرف الناس إلى التفنن في مطعمهم ومشربهم ، وفي تضميخ أبدانهم بألوان من العطور وأنواع من الطيب ، يساعدهم على ذلك الرقيق الأجنبي الذي حمل معه حضارة الروم والفرس وترفهم . فلم تغرق مكة والمدينة والبصرة في دور وقصور وعطور وطيب تفوح رائحته بينهم وإنما غرقت أيضا في ألوان من الطعام والشراب التي كانت تحضر على طرائق الروم والفرس . وكان أكثر المترفين يأكلون ويشربون على طريقتهم أيضا في صحاف من الذهب والفضة . أثر الروم والفرس في تطوير أطعمة العرب : ولعل أبرز ما يوضح أثر الروم والفرس في تطوير أطعمة العرب ما ذكره الأصمعي حين قال : « اختصم رومي وفارسي في الطعام ، فحكما بينهما شيخا قد أكل طعام الخلفاء . فقال : أما الرومي فذهب بالحشو والأحشاء ، وأما الفارسي فذهب بالبارد والحلواء « 3 » » . وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام ، وما قسم لكل قوم منه فقال : « ذهبت الروم بالحشو والحسو ، وذهبت فارس بالبارد والحلو » وقال عمر رضي اللّه عنه : « لفارس الشفارق « 4 » والحموض » وقال دوسر المديني : « لنا الهرائس والقلايا ، ولأهل البدو اللبأ والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد « 5 » » .
--> ( 1 ) الأغاني : ج 9 - ص : 262 - ط : دار الكتب . ( 2 ) الأغاني : ج 5 - ص 16 - ط : دار الكتب . ( 3 ) عيون الأخبار : ج 3 - ص 209 وما بعدها . ( 4 ) الشفارق أو الشبارق كعنادل : ما اقتطع من اللحم صغارا وطبخ وهو معرب ( القاموس المحيط ج 3 ) أو الشفارق أو الشفارج . ( 5 ) البخلاء : ص 161 طبعة الشركة اللبنانية . تحقيق المحامي فوزي عطوي .