عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
178
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
واحتذى به خلفاؤه من بعده وسائر الناس ولا سيما بعد أن كثرت الأموال في أيديهم ، وتدفقت الأرزاق عليهم من كل مصر . ولا غرابة في ذلك « فمن قواعد العمران إذا تكاثرت الأموال في أيدي الناس أن يتوسعوا في الانفاق ويتمتعوا بمعيشتهم فيتأنقوا في الطعام والشراب والسماع وغيرها من الملذات الجسدية ، ويتنعموا بالألبسه الثمينة ، والرياش الفاخر ، ثم يطلبوا الملذات والمجوهرات النفيسة ، ثم يلتمسوا سعة الشهرة فيقربوا الشعراء ورواة الاخبار في ذلك العهد كما يفعل أغنياء زماننا بالتقرب من أرباب الصحافة « 1 » » . وهكذا نجد أن العرب قد تحضروا في عصر بني أمية تحضرا واسعا ، وغرقوا في النعيم والرفاهية إلى حد واسع بتأثير اختلاطهم بالرقيق الأجنبي ولما صب فيهم من أموال الفتوح . وهيأت لذلك عوامل مختلفة من الثراء الفاحش ومما دخل الدولة من عناصر أجنبية كثيرة قادت الشعب إلى التحضر بل إلى الترف المسرف . أما الثراء فقد كان نتيجة ما خلفه الصحابة الأولون لأبنائهم من ثروات وأموال أتوا بها من البلاد التي فتحوها . فقد غنموا ورجعوا من فتوحاتهم بحمول من الذهب والفضة والجواهر ، وابتنوا القصور وبالغوا في تجميلها وزخرفتها . كما قدم العرب بعد الاسلام على شعوب وأقوام غذوا بلبان الحضارة ونشؤوا على لين العيش ومعرفة أساليبه المختلفة قرونا متوالية في ظل دولتي الفرس والروم ، تدريجيا في مآكلهم ومشاربهم ، وشاركوهم في التنعم بلذات المائدة والاستمتاع بطيبات الحياة . ولا تزال حتى يومنا هذا قواعد الطبخ الرومي والفارسي شائعة منتشرة في أكثر المدن الشرقية . ولقد كان من الطبيعي جدا في هذا المجتمع العربي الجديد أن يمتزج العرب بسكان هذه البلاد المفتوحة ويختلطوا بتلك العناصر المختلفة التي انصهرت في المجتمع العربي فأصبحت من العناصر المكوّنة للأمة الاسلامية . فقد أثر الهنود في الثقافة الاسلامية من ناحيتين ، ناحية مباشرة وذلك باتصال
--> ( 1 ) تاريخ التمدن الاسلامي - جرجي زيدان : ج 2 - ص 121 .