عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

154

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

نجد أنها جميعا تتعلق بالأغذية والأطعمة وحسن اختيارها وطريقة تناولها . فقد أوصى الطبيب الحجاج أن يختار اللحم الطري الذي قد أمعن في طبخه حتى أصبح ناضجا مهترئا سريع الهضم . وأن يختار الفاكهة الناضجة كثيرة الماء ، وعليه أن يمضغ الطعام جيدا ، ولا بأس أن يأكل ما يشاء ويشرب الماء بعده مما يساعد على هضمه ولكن بشرط أن لا يدخل الطعام على الطعام ، فإذا شرب فيمتنع عن تناول الطعام وليمسك ثم يوصيه أن لا يخلد إلى النوم بعد العشاء مباشرة ولا بد من رياضة خفيفة كالمشي مثلا مما يساعد على هضم الطعام . ونلاحظ في هذه الوصايا الصحية تشدد الطبيب في نصح الحجاج بالابتعاد عن تناول الأدوية في حالات المرض العادية . إذ لا حاجة إلى الدواء الا إذا استعصى الداء واستفحلت العلة . وكل هذه الارشادات مما ينصح بها الطب الحديث ويوصي بها الأطباء مرضاهم ولا سيما بعد الدراسات الحديثة فيما يسميه أطباء الغرب اليوم « بالطب البديل » إذ أدركوا أن الأدوية وكثرة تناولها هي سموم للجسم ، وهي ان نجحت في شفاء قسم من الأمراض فإنها تحدث غيرها من الاختلاطات المختلفة ، ولذا رأوا أن لا بد من العودة إلى الطب القديم واللجوء إلى الحشائش والأعشاب والأغذية لتكون خير دواء وخير بديل عن تلك العقاقير الصناعية السامة . على أن الغذاء لم يكن عند العرب دواء فحسب بل كثيرا ما كان الطعام اختبارا للشفاء . فقد كان المريض ينزل المشفى أو البيمارستان ، ويبقى في المشفى حتى الشفاء التام . وعلامته أكل رغيف من الخبز وفروج كامل . وعندما يخرج المريض يعطى ثوبا مع كمية من الدراهم لتقوم بنفقاته الضرورية خارج المستشفى . وكثيرا ما كان الناس يتمارضون رغبة منهم في الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيه من لذيذ المأكل والمشرب . ومن ذلك ما رواه خليل بن شاهين الظاهري بعد أن زار مدينة دمشق وأعجب بمعالمها ، قال : « وبها مارستان لم ير مثله في الدنيا قط واتفقت نكتة أحببت أن أذكرها . وهي أني دخلت دمشق سنة 831 . ه وكان بصحبتي رجل عجميّ من أهل الفضل والذوق واللطافة وكان قصده الحج في تلك السنة . فلما دخل البيمارستان المذكور ونظر ما فيه من المآكل والتحف واللطائف التي لا تحصى قصد اختبار رجال البيمارستان المذكور فتمارض وأقام به ثلاثة أيام ، ورئيس الطب يتردد اليه ليختبر ضعفه . فلما جس نبضه