ابن البيطار

19

الدرة البهية في منافع أبدان الإنسانية ( تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنباتات )

وذكر أوحد الزمان في « المعتبر » أن القنفذ لبيته أبواب يسدها ويفتحها عند هبوب الرياح التي تؤذيه وتوافقه ، وابن عرس « 1 » يستظهر في قتال الحية « يأكل الشذاب » ، والثور يفرق بين الحشائش المتشابهة في صورها ويعرف ما يوافقه منها فيرعاه وما لا يوافقه فيتركه مع متهمه وكثرة أكله وبلادة ذهنه ومثل هذا كثير . فإذا كانت الحيوانات التي لا عقول لها ألهمت مصالحها ومنافعها كان الإنسان العاقل المميز المكلف الذي هو أفضل الحيوان أولى بذلك ، وهذا أكبر حجة لمن يعتقد أن الطب هو إلهام وهداية من اللّه لخلقه . فكل ما وقع بالتجربة والاتفاق والمصادفة أكثر ما حصله من هذه الصناعة ، هذا وإن قدماء المصريين كان الطب عندهم منذ آلاف السنين مشابه للطب القديم والحديث كل المشابهة من ناحية تحضير البذور والنبات والعقاقير والحشائش والمواد من كل الوجوه بحسب ما شاهدوه وأدتهم إليه فطرهم وبعد أن اجتمع لهم أشياء كثيرة بالتأمل فاستخرجوا عللها والمناسبات التي بينها فحصلوا على قوانين كلية ومبادئ منها يبتدأ بالتعلم والتعليم وإلى ما أدركوه منها ينتهى فعند الكمال يتدرج في التعليم من الكليات إلى الجزئيات وعند استنباطها يتدرج من الجزئيات إلى الكليات . أجل : وليس كل الأدوية عرفت بقصد إلى معرفتها ، بل قد اتفق من ذلك شيئا بالاتفاق ثم جرب فحقق ، كما أن من تناول دواء بغير قصد فأسهله أو سخنه ونفعه من مرض من الأمراض فجرب بعد ذلك وامتحن مرات فوجد كذلك ، فنسب إليه ذلك الفعل ، ولعل بعض الأدوية قد عرفت من طريق الأمم السالفة ،

--> ( 1 ) ابن عرس : دويبة كالفأرة تفتك بالدجاج ونحوه . قال عنه القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات : حيوان دقيق طويل يقال له بالفارسية : راسو ، وهو عدو الفأرة ، يدخل جحرها ويخرجها ، يحب الجواهر والحلى . ومن أنواعه : عرسة المنازل ، وعرسة الماء ، والعرسة المصرية .