ابن البيطار
13
الدرة البهية في منافع أبدان الإنسانية ( تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنباتات )
تمهيد لما كانت الأدوية والأغذية مادة لحفظ صحة الإنسان ، وهيولا لمداواة أسقام الأبدان ، كان من الواجب معرفة ماهيتها ومزاجها وقواها ، ومنافعها على الحقيقة والاستقصاء ، لمعالجة كل نوع من الأمراض بالدواء اللائق للمداواة والعلاج . لما كانت طبائع الأمراض والأعضاء مختلفة لم تتم المداواة لكل مريض ولكل مرض ولكل عضو بدواء واحد معلوم . فإذا كان في كل دواء من الأدوية قوى كثيرة مختلفة لا توافق المرض الواحد من جميع جهاته فيجب معرفة أدوية كثيرة مختلفة المزاج أو القوة نافعة من مرض واحد يختار منها المعالج الأنيق بغرضه والأصلح لقصده بحسب ما يراه من الأسباب الحاضرة . واعلم أن الشئ الوارد على بدن الإنسان : إما أن يجعله البدن إلى ملازمته وهذا هو الغذاء المطلق وإما أن يغير هو البدن ويقهره ، وهذا هو الدواء القتال . وإما أن يغيره البدن - أولا - ثم يعود هو فيغير البدن إلى مزاج كمزاجه وهذا هو الدواء المطلق ، وإما أن يغير البدن - أولا - ثم يعود البدن فيغيره آخر وهذا هو الغذاء المداوى ، فلما كانت قوة البدن أقوى من الغذاء قويت عليه وأحالته إلى مشابهته . ولما كان الدواء القتال أقوى من البدن غيره وأفسده ولدواء المطلق ولما كان الغذاء المداوى قوتهما مقاربة لقوة البدن . . فلهذا غير كل واحد منهما صاحبه مع اختلاف التغير بالتقدم والتأخر . والفرق بين الغذاء والدواء : أن الغذاء يفعل فيه البدن ، والدواء يفعل هو في