ابن البيطار
29
تفسير كتاب دياسقوريدوس
يدخل البلد في صباحها ، إلّا أنّه أحضر النّصرانيّة وبات معها في أكل وشرب واستماع غناء واجتماع « 39 » حتّى كان الثلث الآخر [ من اللّيل ] فأخرج حشيشة معه سحنها في هون ثمّ استفّها ثم نام وقال : غطّوني ، ثم إذا أصبحتم لا تحطّوا أشياء في الهون حتّى غد واغسلوه فإنّه قد صار مسموما ، فلم يفهموا مقاله إلى أن أصبحوا فرأوه ميّتا ، ففهموا ما كان قاله وغسلوا الهون . فلمّا دخل السلطان سأل عنه فحكيت إليه القصّة فقال : لقد ساء بنا الظّنّ وإنّ مثله لافتديه بشطر ملكي . واللّه لو علمت لأعطيته عشرة آلاف [ دينار ] بصرفها في لذّته وكان أمتعنا بنفسه » « 40 » . وفي هذه القصّة إغراب وخيال قصصيان غير خفيين . فابن البيطار كما تظهره هذه القصّة كان خائنا للأمانة متبذّلا في أخلاقه متهتّكا في سلوكه . وهذا يتناقض كلّيّا مع ما ذكره عنه ابن أبي أصيبعة ، فقد قال عنه : « ورأيت أيضا من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه وجودة أخلاقه وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجّب منه » « 41 » . ونعتقد أنّ ابن أبي أصيبعة ما كان ليقول عن ابن البيطار ما قال من ثناء على عشرته ومروءته وأعراقه وأخلاقه ونفسه لو كان ما نسبته إليه هذه القصّة صحيحا . ثمّ إنّ ابن أبي أصيبعة أعلم بأحوال ابن البيطار وبسيرته من صاحب القصّة وهو أمين الدين سليمان بن داود ، فهذا لم يعرف ابن البيطار بل عرف تلامذته لأنّه عاش في النّصف الثاني من القرن السّابع والنّصف الأوّل من القرن الثّامن الهجريين ، وقد كانت وفاته سنة 732 ه / 1332 م . يضاف إلى ذلك أنّ سيرته كما أوردها ابن فضل اللّه العمري نفسه - وقد ترجم له ترجمة موسّعة ، وكان على صلة به - لا تخلو من المغامز « 42 » .
--> ( 39 ) في الأصل « وشرب واجتماع غناء واستماع » . ( 40 ) العمري : المسالك ، 5 / 616 . ( 41 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء . 2 / 133 . ( 42 ) العمري : مسالك الأبصار ، 5 / 571 - 574 ، وقد نقل أحمد عيسى هذه الترجمة كاملة في معجم الأطباء ، ص ص 207 - 210 .