ابن البيطار
409
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية
من الدستورات المنجحة في تعرف حال المياه فإن الأخف في الأكثر أفضل وقد يعرف الوزن بالمكيال بأن يبل فيه خرقتان بما نيتان أو قطنتان متساويتا الوزن ثم يجففان تجفيفا بالغا ثم يوزنان فالماء الذي قطنته أخف أفضل والتصعيد والتقطير مما يصلح المياه الرديئة فإن لم يمكن ذلك فالطبخ فقد شهد العلماء أن المطبوخة أقل نفخا وأسرع انحدارا قال وإن تركت المياه الغليظة مدّة كثيرة لم يرسب منها شيء يعتد به ، وإذا طبختها رسب في الوقت شيء كثير فصار الماء الباقي خفيف الوزن صافيا فكان سبب الرسوب الترقيق الحاصل بالطبخ ألا ترى أن مياه الغدران الكبار كجيحون وخصوصا ما اغترف من آخره يكون كدرا عند الإغتراف ثم يصفو في زمان قصير كرة واحدة بحيث إذا استصفيته مرة أخرى لم يرسب شيء يعتد به ، وقوم يفرطون في مدح النيل إفراطا شديدا ويجمعون محامده في أربعة بعد منبعه وطيب مسلكه وغمورته وأخذه إلى الشمال عن الجنوب ملطفا لما يجري فيه من المياه أما غمورته فيشاركه فيها غيره والمياه الرديئة إذا استصفيتها كل يوم من إناء إلى إناء رسبت كل يوم ولا يرسب عنها ما من شأنه أن يرسب إلا بأناة من غير إسراع ومع ذلك فلا يتصفى تصفيا بالغا والعلة فيه أن المخالطات الأرضية يسهل رسوبها عن الرقيق الجوهر الذي لا غلظ له ولا لزوجة ولا دهنية ولا يسهل رسوبها عن الكثيف تلك السهولة ثم الطبخ يفيده رقة الجوهر وبعد الطبخ المخض ، ومن المياه الفاضلة ماء المطر وخصوصا الصيفي ومن سحاب راعد ، وأما الذي يكون من سحاب ذي رياح عاصفة فيكون كدر البخار الذي يتولد منه وكدر السحاب الذي يقطر منه فيكون مغشوش الجوهر غير خالصة إلا أن العفونة تبادر إلى ماء المطر وإن كان أفضل ما يكون لأنه شديد الرقة فيؤثر فيه المفسد الأرضي والمفسد الهوائي بسرعة وتصير عفونته سببا لتعفن الإخلاط ويضر بالصوت والصدر قال قوم : والسبب في ذلك أنه متولد عن بخار مصعد عن رطوبات مختلفة ولو كان السبب ذلك لكان ماء المطر مذموما غير محمود وليس كذلك ولكنه لشدّة لطافة جوهره يتعفن فإن كل لطيف الجوهر قوامه قابل للإنفعال ، وإذا بودر إلى ماء المطر وأغلي قبل قبوله العفونة والحموضات إذا تنوّول مع وقوع الضرورة إلى شرب ماء مطر قابل للعفونة أمن ضرره ومياه الآبار والقنى بالقياس إلى ماء الأعين رديئة لأنها مياه محتقنة مخالطة للأرضية مدة طويلة لا تخلو عن تعفين ما ، وقد استخرجت وحرّكت بقوّة قاصرة لا بقوّة فيها مائلة إلى الظهور والاندفاع بل بالحيلة والصناعة بأن قرب لها السبيل إلى الرشوح وأردؤهما ما جعل له مسالك في الرصاص فيأخذ من قوّته ويوقع في قروح الأمعاء والنز أردأ من ماء البئر لأنه يستجد نبوعه بالنزح فتدوم حركته ولا يلبث اللبث الكثير في الحفر ولا يريث في المنافس ريثا طويلا فأما