ابن البيطار
375
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية
التي لها فضل رطوبة ترطبه فأحضر الآن ذكرك ما قد تعلمته من كتاب المزاج فإذا تعرّفت من حيوان مّا أن مزاجه يابس بمنزلة الخنزير الذي هو أيبس من الخنزير الأهلي فاعلم أن لحمه أيضا أشدّ تجفيفا ، وقس على هذه الصفات الأصناف الأخر من الحيوانات أصناف المزاج هذا القياس بعينه . مثال ذلك أن الكبش أيبس مزاجا من الخنزير والمعز أيبس مزاجا الكبش والثور أيبس مزاجا من المعز والأسد أيبس مزاجا من الثور ، وعلى هذا فافهم الأمر في الحرارة فإن الأسد أشدّ حرارة من الكلب والكلب أحر من فحل الثيران والثور الفحل أحر من الخصي فعلى قياس اختلاف أصناف مزاج الحيوان تختلف أيضا لحومها ، ولذلك ينبغي أنك متى أردت أن تجفف البدن أن تطعم الإنسان لحوم الحيوانات التي مزاجها أيبس ومتى أردت أن تسخنه فتطعمه التي مزاجها حر ، وكذا إن رأيت أن تبرده فأطعمه لحوم التي مزاجها أبرد وكذا إن أحببت أن ترطبه فأطعمه لحوم الحيوانات التي مزاجها الترطيب . وقال في كتاب أغذيته : ليس قوّة جميع أعضاء الحيوان قوّة واحدة بعينها لكن اللحم منها إذا استمرئ كما ينبغي تولد منه دم جيد فاضل نافع لصاحبه ولا سيما لحوم الحيوانات التي يتولد من لحمها خلط جيد كالخنزير ، وأما الأعضاء العصبانية فالغالب على دمها البلغم فلحم الخنزير يغذو أكثر من جميع الأغذية وقد جربت ذلك في الحيوانات التي في مزاجها بالطبع فضل يبس وفتيها وصغيرها أجود مزاجا من كبيرها لما في طراءة سنها من المعونة على اعتدال المزاج ، وأما التي بالطبع أرطب فإذا صارت إلى منتهى الشباب في سنها اعتدلت في مزاجها ولذلك صارت لحوم العجاجيل أفضل انهضاما من لحوم مستكمل البقر ، ولحوم الجداء أفضل انهضاما من لحوم كبير الماعز لأنه وإن كان مزاجه أقل يبسا من مزاج مستكمل البقر فإن لحوم الحملان أيضا من اللحوم التي غذاؤها أرطب وأكثر توليدا للبلغم ، ولحوم النعاج أكثر فضولا وأردأ خلطا ، ولحوم الإناث المسنة من الماعز تولد أيضا خلطا غليظا رديئا فأما لحوم التيوس فخلطها رديء جدا وانهضامها عسر جدا وبعدها في البرد لحوم الكباش وبعدها لحوم البقر ، واعلم أن الخصي من لحوم جميع هذه الحيوانات أفضل وأجود من كل ما لم يخص ، ولحم كل هرم من الحيوان رديء الحال في انهضامه وفيما يتولد منه من الدم وما يناله البدن منه من الغذاء حتى أن الخنازير وإن كانت لحومها رطبة المزاج فإنها إذا هرمت صار لحمها صلبا كالليف يابس فيعسر هضمه قال : وأما لحوم الثعالب فالصيادون يأكلونها عندنا في الخريف لأنها فيه تسمن وتخصب أبدانها من أكل العنب ، وكذا جميع الحيوانات إذا صادفت من الغذاء الموافق لها مقدارا كثيرا صار لحمها للأكل أجود وأفضل ما كان قبل ذلك ، ولذلك صار جميع الحيوان الذي يغتذي العشب والكلأ وأغصان الأشجار