عبد اللطيف البغدادي

8

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

كما انتقد عبد اللطيف البغدادي كثيرا من معاصريه ، وكان وقوعه كثيرا جدا في علماء العجم ومصنفاتهم وخصوصا الشيخ الرئيس ابن سينا ونظرائه ، وسنرى كيف كان انتقاده لهم في سياق الكلام . نجد عبد اللطيف يقع تلقائيا في المرحلة الثالثة من تاريخ العلم العربي ، مرحلة الانهيار والثورة على القديم ، وسواء أكان مرغما على ذلك بحكم تاريخ نشأته ، أم مخيّرا فيه لما طبع عليه من سخط على ما كان يراه ، وقلة احترام للقائم من الأوضاع ، فإن كبرياءه كانت - في رأينا - سبب تعاقب تنقلاته من البلاد التي يعمل بها ، ونزوحه المتكرر من عاصمة إلى عاصمة ، وتغييره نشاطا بنشاط . إن هذه الثورة ليفسرها علماء النفس بأنها نضال داخلي بين المبالغة في التقدير الذاتي والاعتقاد بالتفوق على الغير من جهة ، وبين ضرورات المعيشة اليومية ، ووجوب الرضوخ لظروف الحياة الاجتماعية من جهة أخرى . بيد أن البغدادي على كثرة عيوبه ، جدير بالاحترام والتقدير ، لأنه كان من القليلين الذين تجاسروا على التمرد على سلطان الأطباء القدامى ، وأعلنوا بصراحة تامة عن آرائهم الخاصة ، وإن خالفت آراء الأطباء الأقدمين . كما ثار عبد اللطيف البغدادي ثورة أخرى على أسلوب الكتابة في عصره ، الذي غلبت عليه المحسنات اللفظية ، كالسجع والإطناب ، والولع بالطباق والمقابلة والتورية والذي كان يمثله القاضي الفاضل آخر كتاب الدولة الفاطمية ، وأول كتاب الدولة الأيوبية ، فكتب البغدادي بأسلوب يخالف ذلك تماما ، لا يكاد يختلف في بساطته ، وإيجازه ، وعزوفه عن إهدار المعاني على مذبح الألفاظ ، عن أسلوب الكتابة في العصر الحديث . ويصف سلامة موسى أسلوب عبد اللطيف البغدادي بأنه « أسلوب من أرق