عبد اللطيف البغدادي

59

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد ، وأشعر أهلها البلاء ، وهرجوا من خوف الجوع ، وانضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد ، وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن . . . واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت ، وعند نزول الشمس الحمل « 1 » وبىء الهواء ، ووقع المرض والموتان ، واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث ، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل . . . الخ » ثم يصف عبد اللطيف عددا من الغرائب التي شاهدها ، مثل حادث والدين شويا صغارهم لأكلهم وحوكما لذلك ، ورجل جردت عظامه من اللحم فأكل وبقي قفصا كما قد يجرد الطباخون عظام الغنم . فعلق على ذلك بقوله : « إن مثل هذا أعوز جالينوس مشاهدته ولذلك تطلبه بكل حيلة وكذلك كل من آثر الاطلاع على علم التشريح » . ويبدو أن الناس كانت تستفظع أكل الآدميين - أول الأمر - وتتناقل أخباره ، ولكنها اعتادته فيما بعد بحيث « اتخذوه معيشة ومطيبة ومدخرا وتفننوا فيه وفشا عندهم ووجد بكل مكان من ديار مصر فسقط حينئذ التعجب والاستبشاع واستهجن الكلام فيه والسماع له » . ومن طريف ما رواه عن تلذذ البعض لهذا النوع الجديد من الطعام ، أن سيدة حاملا أكلته مصادفة فأعجبها وطلبته كما تطلبه الحوامل ، ووصل شغفها به إلى التواطؤ مع بعض الصعاليك على تصيد الصغار ، وظلت هكذا إلى أن كشف عن أمرها . وقد كثرت حوادث اختطاف الصغار والسيدات السمينات وتصيدهم بالحيل ، ولم ينج منها الرجال ، فقد روى أن طبيبا أغرى بدرهمين لزيارة مريض في حي مهجور ففطن في آخر الأمر إلى ما كان ينتظره وهرب ، وأن السلطات كثيرا ما كشفت عن مخابىء عند العطارين اختزنوا بها اللحم الآدمي محفوظا بالماء والملح .

--> ( 1 ) من 21 مارس إلى 20 أبريل .