عبد اللطيف البغدادي

57

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

يبدأ هذا الفصل بمناقشة مقدار الزيادة في مياه النيل أي قياس فيضانه ، قال إن الحاجة منه لا تدعو إلى أكثر من ثماني عشرة ذراعا وإنها قلما تتجاوز عشرين ذراعا . أما الحد الأدنى الذي يكفل زراعة حاجة البلاد فقدّره بست عشرة ذراعا ويسمى هذا الحد بماء السلطان إذ عنده يستحق الخراج ، كما أنه يقال عندئذ إن البلاد شرقت ، ثم اشتق هذه اللفظة من قولهم شرقت الشمس إذا ظهرت وشرقت اللحم إذا نشرته ليجفّ ، وهذا لأن الأرض بارزة لا يغمرها الماء في السنة التي لا يوفي نيلها ، كما أنه يجوز أن يكون التشريق من قولهم ريح شرقية لأن هذه الريح عندهم دليل نقص الماء . أما اسم نهر النيل فإنه اشتقه من نال ينال نيلا ، أو من نال ينول نولا ، والنيل اسم ما ينال مثل الرّعى ( بفتح الراء ) للمصدر والرّعى ( بكسرها ) لما يرعى « 1 » . ومتى نقص النيل عن الست عشرة ذراعا كان ابتداء التفريط - المقابل للإفراط - ثم ذكر أنه في كتابه الكبير ساق سنى الإفراط والتفريط منذ الهجرة ، وأن الفيضان بلغ في سنة 596 ه ( 1199 - 1200 م ) اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين أصبعا ، وهذا لم يسبق حدوثه منذ الهجرة . كما أن طبيعة الماء ولونه تغيرا وظهر فيه الطحلب ومواد نباتية ودود وحيوانات أخرى سببها ضعف المطر في الحبشة ، وهذا خبر علموا به من رسول ملك هذه الدولة ، الذي جاء إلى مصر حاملا كتابا يتضمن موت مطرانهم ، والتماسا بعوضه « 2 » ، ويقول إن أقباط الصعيد يزعمون أنهم يتكهنون على مقدار زيادة النيل من مقدار الزيادة في وزن طين يعرض ليلة للهواء الطلق ، وإن غيرهم يتكهن بطرق أخرى ، أما هو فقد وجد أن انخفاض قاع بركة المقياس ، أو ظهور الخضرة في أول الزيادة أو درامها ، كلها تدل على قلة الفيضان ، وعلل هذه الظواهر بأن مياه النيل الأصلية من العيون ، وزيادتها من الأمطار ، ونقصان العيون يدل على يبس السنة وأن الحضرة إنما هي من المستنقعات التي يتركها الفيض السابق ، فكثرتها تدل على

--> ( 1 ) النيل كلمة مشتقة من الإغريقية ، لا من العربية ، فقد سمى الإغريق هذا النهر ( نيلوس ) وأصلها مجهول ، وقيل إنها مقتبسة من لفظة ( نهر ) ، أما في الأوديسة لهوميرس فاسمه أيجبتوس . ( 2 ) ان بطريرك الأقباط بمصر هو الذي يعين مطران الحبشة .