عبد اللطيف البغدادي

16

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

فنشأ في جو من العلم والتقوى ، وامتاز في النحو وعلوم اللغة والكلام ، وكان عزوفا عن اللهو ، يصرف أكثر أوقاته في الدراسة ، ولما سمعه والده ألحقه في الرواية بالشيوخ المسانّ ، ورآه متضلعا في الخط والقرآن والفصاحة وحفظ المقامات وديوان المتنبي - دون التوسع في النحو والفقه - فحمله إلى شيخ بغداد كمال الدين عبد الرحمن الأنباري الذي كان له به صحبة قديمة ترجع إلى أيام التلمذة بالمدرسة النظامية . فلم يفهم البغدادي من كلام الشيخ شيئا حتى قال له الشيخ : « أنا أجفو عن تعليم الصبيان » وأوصى بحمله إلى تلميذه الوجيه الواسطي ، وكان رجلا أعمى من أهل الثروة والمروءة - فظل البغدادي يلازم الشيخ ويتردد معه على الشيخ ، وينكب على الحفظ والتكرار أكثر الليل حتى أنه - حسب قوله - سبق الشيخ وقرأ كل ما وجد من الشروح ، وشرع يشرحها لتلاميذ اختصوا به ، إلى أن صار - على حد قوله أيضا - يتكلم كراريس على كل باب ولا ينفد ما عنده . وكان يحفظ المؤلفات في مدد قصيرة . وحفظ عن الشيخ كمال الدين الأنباري طائفة من كتب سيبويه ثم تجرد لها ولشرح السيرافي . ومن المشايخ الذين ذكر موفق الدين فضلهم عليه ولد أمين الدولة بن التلميذ ، وقد بالغ في تقديره له مبالغة انتقدها مؤرخه ابن أبي أصيبعة وأرجعها إلى تعصب البغدادي للعراقيين لأن ولد أمين الدولة لم يكن في رأيه بهذه المثابة ولا قريبا منها . أما الذين لم يعجب البغدادي بهم فكثيرون ، منهم شخص مغربى « قال إنه له أبهة وصورة عليها مسحة الدين ، يعرف بابن نائلى ، كان يحضره جماعة من الأكابر يوهمهم أنه متبحر . فشوقه كلام ابن نائلى إلى علوم الكيمياء والطلاسم وما إليها ، وأكب البغدادي على الكتب التي تناولت هذه العلوم ، أمثال كتب الغزالي ، وبهمنيار تلميذ ابن سينا ، وجابر بن حيان ، إلا أنه رجع عنها بعد مدة قائلا : « وباشرت عمل الصنعة « 1 » الباطلة وتجارب الضلال الفارغة ،

--> ( 1 ) كانت ( الكيمياء ) تطلق على محاولة تحويل المعادن إلى ذهب ، وكانت تسمى أيضا « الصنعة » .