ابن رشد
70
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس
الحيوان مفرط اليبوسة ، لم ينبت عليه شعر ، ونبت عليه ريش أو فلوس وكما أن النبات لا ينبت أيضا في الأرض المفرطة الرطوبة ، كذلك لا ينبت الشعر في الأبدان المفرطة الرطوبة ، أعني ، الشعر الذي هو فضل ؛ وكما أن الأرض المتوسطة بين اليبس والرطوبة ، هي التي ينبت فيها العشب ، ولذلك يكون ؛ ثم العشب في الربيع دون سائر الفصول ، بل يذوي في فصل الصيف ، ويسقط في فصل الخريف ، وكذلك الجلد الذي نبت عليه الشعر ، هو متوسط بين الجلدين ؛ والأرض في حال الخريف في عدم النبات ، أشبه شيء بالأرض في زمان الربيع ، لأن هذا الوقت أعدل أوقات السنة . فمن قال : « إنّ نبات الشعر ليس هو في بدن يابس ، من قبل أن الأرض اليابسة لا ينبت فيها شيء » ؛ فلا معنى له ، وقد عرّفناهم قياس الأبدان في ذلك مع الأرض . وإنما غلطهم اشتراك الأسماء . فإذا قلنا : « إنّ الجلد الذي يكثر عليه من الإنسان ، هو حار يابس » . فلسناه نعني به أنه مثل جلد الحيوان الخزفي ، ولا غيره من الحيوانات ، التي لا شعر لها ؛ وإنما نقوله بالإضافة إلى المزاج المعتدل أو المزاج الرطب الأزعر . واما أسباب / / تولد الشعر في الأبدان ، فهو أنها يتحلل منها دائما بخار دخاني ؛ لكن الأبدان الرطبة ، التي تشبه الجبن الرطب ، ليس يمكن البخار أن ينفذ في مسامها ، إلا بعسر لموضع انسدادها بما فيها من الرطوبة ، ولقلة سعة المنافذ ، التي ينفذ البخار فيها ؛ وإن نفذ فيها ، فليس يمكن أن يتتابع ؛ لأن ما نفذ فيها منه ، ينسد من المسام ما خلفه ؛ فيمنع غيره من البخار أن يتّصل به ، فينقطع ويفسد . وأما الأبدان اليابسة ، فإنّ منافذها واسعة ، وليس فيها رطوبة تعرق البخار النافذ فيها . فيتّصل نفوذه . ويتراكم هنالك ، ويتّصل بعضها ببعض ، ويختلط ، ويطبخ مدة طويلة ، حتى يحدث منه جسم واحد متّصل ؛ ثم يندفع ، فيبرز شبيها بالسيور ؛ فيتخلص عن الجلد ما رق منه ، ويبقى غليظه . الذي هو كالأصل تحت الجلد ؛ بمنزلة ما يعرض للنبات في جوف الأرض ، من أن أصوله الغليظة تبقى تحت الأرض ، وتنبت فروعه ، التي هي العشب فوق الأرض ؛ وإذا كانت الحرارة الطابخة له قويت ، أحرقت تلك الأرضية التي فيه ، فأسود الشعر ؛ فإن اشتد الاحتراق ، تجعّد الشعر ، بمنزلة ما يعرض له ، إذا قربت منه النار ؛ وإن لم تكن الحرارة شديدة ، لم يسود الشعر ، ولا غلظ ، ولا صار جعدا لمكان يبسه ؛ إذ كان ليس بيباس ، بل كان أشقر ، لينا ، شديد السبوطة . والأحوال المتوسطة ، التي للشعر بين هذه ، من اللون والسبوطة والجعودة تتولد من الحرارة