ابن رشد
79
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
عن الاعتدال . لكن لما كان للعالم نظام وترتيب ، لم يجز أن تجرى كلها على الحالة الخارجة عن الاعتدال . فإن الأشبه كان أن تكون أوقات السنة كلها أو أكثرها معتدلة ، وإن كان فيها غير معتدل أن يكون واحدا منها لا كلها ، كما يلزم عن وضع هؤلاء . ( 26 ) قلت : أما من وضع أن عدد تراكيب أمزجة المتشابهة الأجزاء على عدد تراكيب كيفيات الاسطقسات ، اعني أربعة ، وجعل كذلك تراكيب أمزجة الأوقات الأربعة ، والأسنان الأربعة ، والأخلاط الأربعة ، فقد وضع ما هو الطبيعي على شك . وكذلك أنه قد تبين في العلم الطبيعي أنه لا يمكن أن يتقوم موجود ممتزج من الاسطقسات إلا بغلبة واحد منها على ذلك الموجود . فإن كان الغالب عليه اسطقس الهواء كان مزاج ذلك الموجود حارا رطبا ، وإن غلب عليه النار كان مزاجه حارا يابسا ، ولكن لا تجتمع هذه الأمزجة في نوع واحد بالطبع ، بل توجب افتراق النوع ، كما يوجب ذلك في الاسطقسات أنفسها أولا ، وفي الأزمنة وفي الأخلاط . لأن هذه الكيفيات هي التي أوجبت اختلاف الاسطقسات في جواهرها وحدودها ، وهو ظاهر . إن في كل من فصول السنة يغلب فيه اسطقس من الاسطقسات الأربعة المناسبة لذلك الفصل ، وبهذا التعادل الذي في غلبة بعضها على بعض في أوقات محدودة من السنة على السواء ، أمكن ألا يفسد واحد منها الآخر بكليته ، وأمكن أيضا في كل جسم مركب من الاسطقسات الأربعة أن يتحفظ الجسم الذي تركب منها زمانا ، حتى يكون الشتاء هو الحافظ للجزء البارد الذي في المركبات ، والصيف للجزء الحار ، وكذلك في سائرها . وبذلك كانت الفصول الأربعة موافقة لبقاء الحيوان والنبات والاسطقسات الأربعة أنفسها وجميع وما تركب منها . وهذا هو الاعتدال الطبيعي