ابن رشد

72

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

( 4 ) قال : وقوم أخر قالوا : إن الأمزجة اثنان فقط : حار يابس ، وبارد رطب . قالوا : لأنه لا يجتمع حار رطب ولا بارد يابس ، لأن من شأن الحرارة أن تيبس ، ومن شأن البرودة أن ترطب . فهذا هو قول هؤلاء وحجتهم . ( 5 ) وأصحاب القول الأول عاندوا هؤلاء بمعاندتين : كل معاندة منها اختصت بفريق منهم . أما حجة أحد الفريقين فقالوا : إن الحرارة لا تفعل اليبوسة ، ولا البرودة تفعل الرطوبة ، فإن قالوا : إن كل شئ فإنما يفعل بمثله لا ضده ، فالحرارة إنما تفعل حرارة فقط ، واليبوسة إنما تفعل يبوسة فقط . ( 6 ) قالوا : ومن قبل هذا صارت الأجسام الحارة اليابسة تسخن وتيبس ، والأجسام الحارة الرطبة تسخن وترطب ، كالحال في الماء السخن . ( 7 ) ولذلك قد ينتفع من أصابه مزاج حار يابس من الشمس بالاستحمام بالماء الحار الرطب ، لأن الرطوبة تفعل فعلها ، وإن كانت مع الحرارة ، وكذلك البارد الرطب يبرد ويرطب كالحال في الماء البارد ، والحار اليابس يسخن وييبس كالحال في الشمس والنار ، والبارد اليابس يبرد وييبس كما يقال في الريح الشمالية . ( 8 ) وبالجملة فالتغير والاستحالة إنما تكون من ضد إلى ضد ، وذلك بين بالاستقراء ، فإن الحار يستحيل إلى البارد ولا يستحيل إلى اليابس ولا إلى الرطب ، وكذلك الرطب يستحيل إلى اليابس واليابس إلى الرطب ، وكذلك في جنس جنس من أجناس المتضادة . فإن اللون الأسود يستحيل إلى الأبيض أو إلى المتوسطات التي بينها ولا يستحيل إلى الحرارة والبرودة إلا بالعرض . وكذلك نقول إن من لا نحوى صار نحويا ، ولا تقول إنه صار من لا نحوى موسيقوس إلا بالعرض ، وإنما تقول من لا موسيقوس صار موسيقوسا ، ولهذا قد يغلب