ابن رشد
30
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
بالصورة والقوة ، اعني غير منقسمة لا بالكمية ولا بالكيفية ، فقد يمكن أن يقول به قائل ، كما قال أفيغورش وديمقراطس فيما ادّعوه من الأجزاء التي لا تتجزأ ، إما لأنها من الصغر بحيث لا تنقسم أصلا ، وإما لأنها لا تقبل الانقسام ، فإن بكل واحد من هذين قال فريق من أصحاب هذا القول . ( 9 ) وأصحاب هذا القول يقولون إن هذه الأجرام أو الأجزاء ، ليس تنفعل ، ولا تقبل الأثر والاستحالة ، ولا لها بالطبع لا بياض ولا سواد ، ولا طعم ولا حرارة ، ولا برودة ولا رطوبة ، ولا يبوسة ولا كيفية من الكيفيات . ويقولون إن ما يظهر من هذه الكيفيات هي رؤية فقط والخلاء الذي يتحرك فيه أبدا . ويقولون إن هذه المرئيات المختلفة هي تابعة لأنواع اختلاطها وأشكالها ، ولو ضعهم هذه الاسطقسات بهذه الصفة يلزمهم أن لو كان الإنسان مركبا منها لما كان يألم ، لأن الألم بين من أمره أنه تابع للاستحالة وللحس وهذه ليس يمكن فيها أن تستحيل ولا تحس . ( 10 ) قال : والأمر في صحة هذا اللزوم الموجود في هذا القياس مبين عند من ارتاض في صناعة المنطق . وأما من لم يرض فكره في هذه الصناعة وهم في غاية المحك واللجاجة ، فقد ينبغي أن نقنعهم بمقالات جزئية ، أعنى أن كل ما هو مركب من اسطقسات لا تحس ولا تنفعل ، أنه لا يحس ولا ينفعل . فلنترك مثلا أن الإنسان لو كان مركبا من أجرام لا تنقسم ولا تقبل الأثر ، ثم أخذت إبرة فثقبت بها الجلد من الإنسان الذي بهذه الصفة لكان الإنسان لا يحس بثقب الإبرة أصلا لأن تلك الإبرة لا تخلو أن تثقب جرما من الأجرام فأكثر ، وبالجملة تؤثر فيه أو تفرق بين جرمين منها فأكثر ؛ ومحال أن تثقب أو تؤثر ، لأن كل واحد منها